مولد النبي ( ص) ..المناسبة والفرصة

سليم الجبوري
نعيش في ذكرى المولد ساعة تفكر وتدبر للحظة فارقة من الزمن ، لحظةٌ أشرق فيها النور على البشرية في مواجهة الظلام، وتفتقت فيها المعرفة لتمحق الجهل والتخلف، وانبرى فيها العدل منافحا سوءة الظلم والجبروت، وأظهر الله الحق ليمحق الباطل، لتتهاوى كل إمبراطوريات الشر ولتستقيم الحياة وتنبلج الحضارة من رحم الجزيرة الجرداء
انها ولادة خير البشر وصفوة الخلق وهادي الانسانية الحائرة الى الجادة، ولادة سيدنا ومنقذنا وقائد امتنا محمد بن عبد الله صلوات ربي وسلامه عليه وعلى اله واصحابه ومن اتبع نهجه القويم الى يوم الدين .
في هذا الوقت تجمعنا المناسبة لأن صاحبها ارادنا ان نلتقي على الكلمة السواء والمحجة البيضاء التي تركها لنا ويجمعنا الهم الذي تعيشه امتنا وتعانيه شعوبنا وتدفع ثمنه اجيالنا جراء بعدنا ،عن خارطة الطريق التي رسمها لنا امام الحكمة والحكم حين قال ( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى).
اليوم تمر المناسبة وفي القلب غصة وألم لما يحدث في البلد من تدمير تسبب به الارهاب، فضلا عن إرهاب تسببت به وسهلت وجوده السياسات الخاطئة، وهذا ما يدعونا الى ان نفكر بجدية في قدرة الحلول التي كنّا نمارسها والتي لم تؤت أكلها الى الآن ، ربما لانها لم تمس الحقيقة وتصل الى جذورها الموضوعية في قطع الطريق على مسببات النتائج .
ان مناسبة المولد النبوي فرصة للتزود بسبل الحل من سيرة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الذي مر بظروف أقسى وأصعب مما نمر به اليوم فقد واجه المقاطعة من اقرب الناس اليه في شعب ابي طالب وذاق ألم التهجير في الهجرة وتكالبت على دولته الامم والجماعات في الخندق وحاولت النفوس المريضة ان تناله من الداخل افتراء وتشويها ، غير انه صبر وتوكل على الله وسخر أدواته البشرية بمعيّة العون الالهي ليخرج من كل هذه المحن أقوى في كل مرة وأصلب بعد كل تجربة وأقدر على العطاء بعد كل كربة فكان يجد في كل محنة منحة وفي كل ابتلاء اجتلاء. ومع كل ما يجري يتزين العراق لهذه المناسبة رغم أحزانه مترفعًا عن كل اوجاعه ومآسيه ، وما ذاك الا طبع في أصل أهله ومزية في سلوك ابنائه وسجية في جذر اجياله ومازل عصيا على كل المراهنات الفاشلة التي ارادت ان تفت من عزيمته وهذا نابع من إرادة العراقيين .
‏باستطاعتنا أن نصنع من هذه المناسبة العظيمة فرصة للتوحد والتكاتف لمواجهة أخطارنا وتحدياتنا ، فلقد كانت ومنذ فترة طويلة مصدرا للإلهام ‏والحب والتعاون والتعايش المجتمعي خصوصا بين أبناء بغداد الذين استطاعوا أن يجعلوا من ذكرى المولد النبوي الشريف منطلقا ‏لإثبات هوية العراق، بغداد الواحدة التي تعانق فيها أهل الأعظمية والكاظمية وهم يحتفلون بهذه الذكرى ومن عشرات السنين في مشهد لا يمكن للذاكرة ان تختزله بالمكان والزمان حين تحول الى ظاهرة حية تؤكد الانتماء الى ثقافة واحدة وبيت واحد ومصير مشترك أوحد .
ومن منطلق التعايش فإننا نرى ضرورة العمل جديا على إنجاز صيغة ما للخروج، مما نحن فيه من خلال المصالحة الوطنية أو التسوية التاريخية أو اَي عنوان من شأنه استيعاب الحالة العراقية دون التوقف على المصطلحات ، فنحن الْيَوْمَ لا نطمح لعقد مؤتمر للاستهلاك الاعلامي وحسب بل نحن بحاجة الى عقلية من جميع الأطراف تتقبل فكرة التصالح والتعايش وتذهب الى طاولة الحوار الوطني وهي خالية الوفاض من أي اجندة أو شروط مسبقة يفرضها هذا الطرف أو ذاك بقصد الكسب السياسي، فبقدر ما نخسر في هذه الممارسة سنربح ، ومن هذا المكان الطاهر اجدد الدعوة الى الأطراف العراقية كافة الى لقاء وطني عاجل يضع حجر الأساس لفكرة التفاهم الوطني التاريخي الشامل للبدء بمرحلة جديدة بعد نهاية “داعش” قريبا بعون الله تقوم هذه المرحلة على اعتبارين اثنين المواطنة الصالحة والقانون النافذ ، وهذا يعني ان العراقيين جميعا متساوون في الحقوق والواجبات لا فرق بين عراقي وآخر الا بقدر التزامه بالقانون واعتزازه بالوطن.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*