عادل عبد المهدي
عادل عبد المهدي

اسلاميون، ام مسلمون.. متدينون، ام علمانيون؟

عادل عبد المهدي
شهدت الحركات الاسلامية صعوداً طبيعياً خلال العقود الاخيرة.. وعرف الكثير من الدول والحركات الاسلامية تطرفاً متوقعاً. اذ يخطىء من يتصور انه يمكن تغييب الدين، بما في ذلك من الحياة السياسية. فلقد حاولت بلدان كتركيا وايران وتونس في بدايات واواسط القرن العشرين فعل ذلك، فعاد الدين بموجات قوية اليها. وحاولت دول كمصر والعراق وسوريا واليمن وليبيا وغيرها، في الخمسينات والستينات، التعامل مع الدين كتواجدات رجعية، فاعدمت وقتلت وسجنت وشردت.. ففشلت، وعاد الدين قوياً فيها.. واغلقت دول الكتلة الاشتراكية، البيع والكنائس والمساجد ودور العبادة، واعتقدت انها حققت اهدافها، ثم عاد الدين اقوى من المتوقع. بالمقابل لا يمكن للدين ان يطغى باسم الشريعة، كما حصل مرات تاريخياً، وكما يحصل، عندما يستخدم الدين والاسلام للارهاب والتسلط والاقصاء، ولتفسير وتبرير شتى التصرفات المرفوضة عقلاً وشرعاً. فالخلل والانحراف في محاربة الدين بغير وجه حق، هو نفسه عند الطغيان والتحكم باسم الدين بغير وجه حق. وواحدهما يغذي الاخر.
لاشك ان منظومات الدول الغربية اذكى، واكثر تطوراً.. لكنه ليس من الصحيح ايضاً انها “علمانية” فقط، ودولها ليس لها دين. فشرعتها الدستور، وليس “الكتاب المقدس”، الذي مهمته (الدستور) حماية حقوق المواطنة وواجباتها، تحت شعارات المساواة والحرية والعدالة ومنع التمييز على اساس ديني. رغم ان تلك الدساتير (وبدرجات) استبطنت الكثير من الاشارات والمداليل والقيم التي تعكس عقيدة اغلبية الناس الدينية، وجعلت مهمة الدولة حمايتها ونشرها بشتى الطرق. لهذا نجد ان كثير منها يتخلى عن “علمانيته” الضامنة لحقوق المواطنين بغض النظر عن دينهم، عندما يتعلق الامر بالنشاطات والحقوق المشروعة دستورياً للمسلمين مثلاً. وقد كتبت في 16/9/2013 افتتاحية بعنوان “اسلاميون، ام مسلمون”، اعيد نشرها بنصها سعياً لموقف متوازن:
[“في بداية السبعينات، كنت اقرأ كتاباً اجنبياً عن الحركات الاسلامية.. فاستوقفني تعبير “اسلامي” (Islamist) بدل “مسلم” (Muslim).. فلم يكن التعبير شائعاً انذاك، لا في الادبيات الغربية ولا العربية والاسلامية.. ومع تطور نشاط المنظمات الاسلامية، كثر استخدامه لتعريف النشطاء المسلمين.. الذين بدورهم اكثروا استخدامه لتمييز انفسهم، ليس مجازاً، بل غالى بعضهم بالمفاهيم والتطبيقات لتجعل “الاسلامي” هو المسلم الحقيقي والوحيد.. ولِتُدين المسلمين ومجتمعاتهم وتتهمهم بالكفر والجاهلية.. الخ.
التنظيم ليس حقاً فقط بل واجباً ايضاً.. وامر طبيعي ظهور الحركات والتنظيمات الاسلامية.. لكنها بقيت محاولات لا تتعدى اسمائها، خيراً او شراً. فيقال خرج “الخوارج” على امير المؤمنين عليه السلام.. وصار الحكم في فترة “بني امية” ملكاً عضوضاَ.. ونقل “اخوان الصفا” الكثير من افكار اليونان.. واسس عبده والافغاني مجلة “العروة الوثقى”.. الخ.. وهذا كله امر طبيعي ويضع الامور في نصابها.
ان الدعوات لمنع المسلمين تنظيم انفسهم باطلة يحركها فكر لا يقل فتنة عن غيره.. فهناك احزاب تسمي نفسها “ديمقراطية مسيحية” و”اشتراكية مسيحية”، ودولة كاملة (اسرائيل) تعتمد الدين كقومية وعقيدة وحقوق تاريخيه، وهناك غيرها.. لينحصر الكلام بمحاصرة الاسلام باستغلال اخطاء بعض “الاسلاميين”.. الذين جعلوا انفسهم ممثلين للاسلام والمسلمين وبديلاً عنهم.. فصارت اخطاؤهم اخطاء الاسلام من جهة.. والوقوف بوجهها وقوفاً ضد الاسلام والمسلمين من جهة اخرى.
يقيناً ان المسألة ليست قضية تعبير بالاساس.. بل هي رغبة البعض لاحتكار الدين، او سعي لدى الاخرين لمحاربة الدين.. وهي رغبة لم تتوقف ولن تتوقف، ولها في كل مرة مدعيات ومسميات مختلفة. فعندما يعطي بعضهم لنفسه موقعاً ينتزعه خارج ارادة المسلمين ومجتمعاتهم، ويعتبر نفسه فوقهم ومتقدماً عليهم وقيماً عليهم، وعندما يمارس الارهاب او العنف او الاستبداد وفرض الراي باسم الاسلام.. وعندما تنفصل منظمته عن الامة وتصبح بديلاً لها، تطبق قوانينها وشريعتها على المجتمع بعيداً عن ضوابط الشرع ومرجعياته واحكامه، فانه يخرج ان يكون عنواناً محدداً بذاته للحراك، ويتحول الى استلاب وتعميم، يسمح للاخرين بالتعميم والاستلاب ايضاً.. وهذا كله بناء للفتن والانحرافات.. وهذا بذاته خطر على التنظيم بانعزاله عن جماهيره وفرضه قيمومته على الامة والمسلمين.. والذين سيخسرون بدورهم بانفصال تنظيماتهم عنهم وتبني سياسيات ومواقف لا تمثل مصالحهم، وصحيح معتقداتهم”].

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*