رصاص على تمثال السياب

وكالة هنا الجنوب الاخبارية / عبد الزهرة زكي

في فضاء ميديا التواصل الاجتماعي كلّ شيء قابل للتصديق والترويج. وبالتأكيد يظل هذا حالاً نسبياً من مجتمع إلى آخر. ميديا التواصل تعبير حي عن طبيعة قيم وتقاليد وثقافات جمهور الميديا. في حياتنا الواقعية، لا الميديوية، يكثر أيضا قبول الشائعات وترويجها، وهو ما يكون محدودا وربما منعدما في مجتمعات أخرى سوانا. نقبل بالشائعات وبالزائف منها لأننا نريد بهذا إملاء فراغات متكاثرة في حياتنا ونريد به أيضاً إدامة مخاوفنا وشكوكنا بالحاضر.الحاضر هو الدافع لهذا الارتياب والخوف بينما يظل العقل وحده هو ميزان التصديق والتكذيب لما يقال. خذ مثلاً صورة لتمثال السياب وقد نخره الرصاص جرى تداولها وانتشارها سريعا خلال الأسبوع في فيسبوك العراقي. وكان الأكثر مدعاةً للحيرة هو تداول الصورة من قبل بعض ناشطي فيسبوك الموثوق بما يدونون. لم يكن الأمر يحتاج إلى فطنة لمعرفة أن الصورة فوتو شوب، لكننا نحتاج إلى كل ما يديم عدم ثقتنا بالراهن. من يجرؤ على إطلاق الرصاص على تمثال لن يجد المانع من أن يقتلعه؛ وقد اقتلعت تماثيل كثيرة خلال هذه الأعوام، واشتد قلقنا على تماثيل أخرى كانت موضع تهديد ولو صامت، لكن تمثال السياب بقي مطمئنا وبقينا نحن مطمئنين عليه وسط جونا المشحون بالخوف والتحسب. لقد بات السياب أقرب إلى كونه رمزا شعبياً وجماهيريا في بلده وأمته فكيف الحال بمدينته. معظم الناس لم تقرأ شعر السياب لكن تقديره شأن آخر، يعرف الشعب قيمة السياب المعتبرة حتى بالنسبة لمن لم يقرؤوه، لا أحسب، في البصرة في الأقل، أن مواطنا واحداً يجهل اسم السياب. لم يطلق الرصاص على التمثال المنتصب على شط العرب. لكن فات مروّجَ الصورة المزيفة أن التحديث في الحياة وليس السياب، وليس تحديث الشعر حصراً، هو ما جرى نسفه وتحطيمه واقعاً. القيمة الحضارية الأساس للسياب هي في هذه المشاركة بصنع حداثة العراقيين والعرب. ما حصل للشعر العربي منتصف القرن الماضي، وكان هذا بشكل أساس على يدَي السياب، كان أقرب إلى ما فعله ماكس بلانك بالفيزياء حين توصل إلى نظرية الكم (الكوانتم) التي حملت في ما بعد اسمه (نظرية بلانك). لقد غيّر السياب، وبتعبير أدق الشعرُ الحديث، ليس فقط نظرتنا وفهمنا للشعر وإنما ايضا نظرتنا للعالم من بعدما غير لغتنا. نحن بعد الحداثة، ومنها بدورٍ ريادي تحديث الشعر، غير ما كنا عليه قبلها. نظرية بلانك في الفيزياء هي أيضا غيرت النظرة إلى العالم، ووضعت الفيزياء بين عصرين؛ ماقبل بلانك حيث الميكانيك النيوتني التقليدي، وما بعد بلانك حيث تطورات نظرية الكم وأثرها في نظرية النسبية ومن ثم الفيزياء النووية وسواها. قد لا يكون شعر السياب وحده كافيا كبرهان على مثل هذا التغيير والتحول، لكن شعر الحداثة بتراكماته الخلاقة يكفي لفرض التعبير عن امتنان للجهد الريادي المغامر الذي تكرس بموجبه بدر شاكر السياب كواحد من طليعيي المغيرين في حياة وثقافة العرب في القرن العشرين. لقد تقوضت الحداثة لكن نسغها يظلّ حيا وقابلا لضخ الحياة في جسد الثقافة والأدب والمجتمع حالما تتاح فرص الفاعلية وتحدي التقويض. لقد جرى واقعا ارتداد كثيرين عن الحداثة الشعرية، وكان هذا تعبيرا ثقافيا عن ارتداد عام عن حداثات حياتنا الكثيرة في السياسة والاجتماع والفن، لكن المرتدين إلى أساليب الشعر التي قامت الحداثة الشعرية على انقاضها هم غير أصوليي تلك الأساليب ممن واجهوا الحداثة بتعسف وراديكالية متشتنجة. يجري اليوم ارتداد لكن بموازاته يحيا احترام وتقدير لجهد التحديث ولرواده وناشطيه المعاصرين. ما يحصل هو ان الارتداد الشعري يسعى لاكتساب مشروعيته من خلال التحديث الشعري، وهذا خلاف ماكان يحصل في أربعينيات وخمسينيات القرن المنصرم حيث المحدثون كانوا يريدون أن يلتمسوا شرعيتهم من خلال التقاليد الشعرية المهيمنة حينها. هذه لحظة بالغة التعقيد؛ تحديث شعري مستمر بموازاة نكوص شعري يريد استثمار نكوصات الحياة وارتداداتها الأخرى فيما تظل نزعة التحديث حية في كل مكان تتهاوى فيه. كان العلم والعلماء ينظرون إلى أفكار ماكس بلانك ونظريته الصادمة على أنها أساطير، قيل إنها من أساطير الرياضيات، وكانت تلك الأفكار بطابعها النظري تدفع ببلانك نفسه إلى القبول بالوصف الأسطوري لها، لكن العلم، وبالأخص بعد إينشتاين، هو ما أمسك بالنسغ الحي من أساطير بلانك فجعل منها قدرة مغيرة للعلم والحياة والتكنولوجيا. هكذا كان الوعد الحي لتحديث الشعر نسغاً حياً سرى تأثيره في جسد الحياة العربية فكان المتغير الأول هو اللغة، ومعها تغيرنا وتغيرت تظرتنا إلى العالم. الحياة العربية تتراجع الآن عن تراكمات التحديث. ما يتراجع هي المجتعات ومؤسساتها لا التحديث.. لقد كان عمل التحديث عضوياً، وبما يسمح بالاطمئنان على أن يظل التحديث نسغاً حياً قابلا للاستخدام واستئناف عمله في دورة الحياة، وهذا رهن بقدرة المجتعات على أن لا تطيل أمد انكبابها ونكوصها. تقوضت الحداثة لكن القيمة الاعتبارية لأحد صنّاعها، السياب ،هي الباقية. هي الحافظة للتمثال، وهي المحتفظة للحياة بنزعتها للحداثة ومواصلة التحديث.