وداعاً لمهنة الندافة في بغداد إلا من ذكريات الفرح

وكالة هنا الجنوب الاخبارية /

بعدما كانت الطوابير الطويلة لا تنقطع عند باب محله، صار العمّ نجم وحيداً إلا من بضعة زبائن في الأسبوع الواحد؛ فمهنة الندافة في العراق تتجه كي تصبح ضمن المهن الشعبية المنقرضة. والنداف في العراق هو المنجّد أو صانع الفراش من صوف الأغنام وريش الطيور والقطن والوبر وغيرها.

وترتبط هذه المهنة بذكريات الفرح والسرور في العراق، إذ كانت تنشط كالزواج أو شراء منزل جديد أو الختان وغيرها.

صورة النّداف التقليدية لذلك الرجل المسن الذي يحمل عصا خيزران يضرب بها الصوف، بالإضافة إلى إبرة خياطة كبيرة يمسكها وهو يفترش الأرض، بدأت تُفتقد، في الآونة الأخيرة، بسبب غزو البضائع الصينية من وسائد وأغطية جاهزة في العادة، يقول عنها كبار السن إنها أبعدت البركة عن النوم وأفقدتنا لذّته.

جعفر رحيم (58 عاماً) صاحب محل ندافة يقع في شارع الجمهورية بمحلة سوق الغزل من رصافة بغداد، يقول : “بعد منتصف ستينيات القرن الماضي دخلت الآلة (الماكينة) لتعجل من سرعة العمل وتريحنا من المشقة وتزيد إنتاجنا، لكن الناس تذمّروا منها، وقالوا إننا نريد عملا يدويا، ولو جاؤوا وشاهدوا اليوم ما ينام عليه الناس لصُعقوا”.

من جانبه، أوضح يعقوب محمد (49 عاماً) ، أنّ الاستيراد العبثي، وعدم دعم الحكومة للمهنة، من أبرز العوامل التي تهددها بالاندثار.

وأضاف محمد، أن القطن كان يزرع في العراق ويشتهر به قضاء الحويجة التابع لمحافظة كركوك، لكن الإرهاب والأمن غير المستقر منعا الفلاحين من الزراعة، مما جعل سعر الكيلوغرام من القطن العراقي يصل إلى (6000) دينار، أي ما يعادل 4 دولارات أو أكثر، علما أن سعره قبل عام 2003 كان مناسباً وغير مكلف، وهذا ما جعل المواطن البغدادي يلتجئ إلى المستورد الذي غطّى الأسواق بنوعية رديئة وأسعار زهيدة.

سلام راضي (52 عاماً) نداف في محلة الصدرية المتفرعة من شارع الملك غازي برصافة بغداد، يقول  إنّ “مهنة الندافة قد انقرضت وأصبحت من التراث، ويرتكز عملنا اليوم على بعض العائلات التي تفضل النوم على (الجودلية) فراش من القطن أو (المخدة) أي الوسادة المعمولة عندنا، ولا يرغبون في استعمال المستورد ويفضلون القطن الزراعي على الصناعي (الأكرليك).

وعزا راضي أسباب اندثار الندافة إلى غزو السلع المستوردة، علماً أنها غير صحية، مبينا أن العديد من الأطباء ينصحون المواطنين الذين يشتكون من آلام وأوجاع الظهر بالنوم على القطن.