التوأم السيامي ..سياسيا !

وكالة هنا الجنوب الاخبارية / عبدالامير المجر
التوأم السيامي ، كما هو معروف، يقصد به الشخصين الملتصقين ببعضهما، وقد سمع العالم بهذه التسمية، للمرة الاولى في العام 1811 ، بعد ان عثر كابتن بحري اميركي على هذا النوع من التوائم المتلاصق عند الصدر، في مدينة (ميكلونك) بدولة سيام، المعروفة اليوم بتايلاند، وقد قام هذا الكابتن باصطحاب التوأم معه إلى اوروبا وأميركا ليعرضهما على الملأ ، بصفتهما حالة فريدة ، تثير الفضول، ثم اضحت شهرتهما عالمية،
كما تقول الكتب، واصبحا مواطنين اميركيين! وتزوجا في العام 1864 من الشقيقتين (اديليد) و( سارة) وعاشا وانجبا اثنين وعشرين طفلا ، لكنهما ظلا يبحثان عن طبيب يفصلهما عن بعضهما من دون جدوى، حتى توفيا في العام 1874 وبفارق زمني قدره بضعة ساعات.. الشيء الذي يذكره مؤرخو حياة (شانك) و( اينك) وهذان اسميهما ، انهما كانا في عراك دائم ، وحسب دراسة نشرتها صحيفة (فيلادفيا تايمز) الطبية، عام 1874 فان (اينك) كان وديا فيما كان (شانك) نزقا وسريع الغضب ، ويحتسي الخمرة، وكانت مشاجراتهما تتسم بالحدة وتصل حد اللجوء الى التلاكم، وفي احدى المناسبات، توجب الامر مثولهما امام احدى المحاكم!! هناك امم وشعوب ، بات قدرها ان تعيش كالتوأم السيامي، سواء ولدت متصلة ببعضها من خلال دولة واحدة، او من خلال الجوار الذي يفرض عليها ثقافة مشتركة، او متشابهة، وهذا (التعشيق) الطبيعي الذي افرزه حراك قرون من الزمن له استحقاقات ، يجب على (رؤوس) هذه الدول ان يعرفوه ، وان يعرفوا ان انهاء هذه التوأمة، الذي لم يحصل منذ البداية، سيكون صعبا ، بل مستحيلا لاحقا ، او بعد ان يلتف العشب على العشب وتتشابك جذوره ، ويغدو الفصل بمثابة اقتلاع للجميع… في السياسة، يحصل العكس احيانا، أي ان هناك شعوبا من لون واحد او من ارومات متقاربة، وعرفت نفسها بثقافتها المشتركة منذ ازمنة سحيقة، كالشعب الكوري، مثلا، لكن لعبة السياسة فرضت عليها الفصل، بعد ان عاملتها كما لو إنها توأم سيامي، ثم اجرت عليه عملية فصل قسرية، ومازال الشعب الكوري مقسّما وليس منقسما، منذ منتصف الاربعينيات والى اليوم، وحين حاول الشمال الشيوعي ان يوحد البلاد بالقوة مطلع الخمسينيات، اصطدم بارادة سياسية دولية قوية، مقابلة، ادت الى واحدة من ابشع حروب القرن العشرين، المعروفة بالحرب الكورية. الشعب الكردي، له الحق في التطلع الى ما يراه مناسبا لمستقبله، وانهاء حالة التوأمة التي فرضتها عليه السياسة الاقليمية والدولية عبر الحقب المنصرمة، وكرسها التعايش الطويل في الدول التي ينتمي اليها كل جزء، لكن المشكلة تكمن في ان العراق الذي عانى كثيرا من تبعات المشكلة الكردية، لاسيما بعد الجمهورية، لم يكن هو الذي فرض هذه التوأمة السياسية اصلا، بالرغم من انها كانت موجودة اجتماعيا قبل قيام الدولة العراقية الحديثة بقرون، بدليل وجود الكرد في بغداد ومدن وسط البلاد، ووصلت حد التداخل العائلي، وبات من الصعب انهاؤها ايضا، بعد ان اصبحت مشكلة سياسية، كونها جزءا من اشكالية اقليمية، يصعب حلها من دون حل الاشكالية كلها، وهذه بديهية يعرفها الجميع. اليوم، تقف دول الاقليم، وتحديدا ايران وتركيا، موقفا رافضا وبشدة للاستفتاء وانفصال الاقليم عن العراق، سواء الان او في المستقبل، وان لهذا الرفض استحقاقات ميدانية قاسية على حياة الشعب الكردي، اذا ما طبقت وحوصر الناس بلقمة عيشهم واسباب الحياة الأخرى. ما يعني ان الحل لم يكن اصلا في الاستفتاء المحلي فقط، بل بموقف دولي يفرض حلا ويفرز دولة كردية تتكون من جميع اجزائها، وهو امر يصعب تحققه ويستحيل التوافق عليه اقليميا ودوليا. وعليه يجب ان لايبقى العراق، بعربه وكرده وقومياته الاخرى المتآخية على ارضه، ميدانا لمشاريع مستحيلة وصراعات سياسية خارجية وداخلية، تتقنع بهذه المشكلة او تلك لتحقق اهدافا، ليس فيها صالح الناس والدولة، ونعتقد ان الدروس الماضية علمتنا الكثير!