السيستاني.. العمود الأخير

وكالة هنا الجنوب الاخبارية / مجاهد أبو الهيل
الكتابة عن المرجع السيستاني لا تخلو من مغامرة على الأقل بالنسبة لكاتب مثلي، لما يقوم به من أدوار مترامية الأوصاف في بناء الدولة وإنقاذها من المطبات التي تحدق بها من كل اتجاه، فقد احتلت الدولة / الشكل، والدولة / المضمون مساحات شاسعة من تفكيره ومواقفه، فرغم صعوبة ذلك في العراق الذي تعصف به الأحداث المتلاحقة بشكل لحظوي، يقف السيستاني مأخوذاً بصناعة المستقبل ومحاولة الإمساك بمنجزات الحاضر لإبقاء العراق على قيد محاولة بناء الدولة.
لقد لعب المرجع الأعلى في النجف أدواراً ستراتيجية في إنقاذ مشروع الدولة من السقوط والحفاظ على مجتمعها من التشظي والانجرار وراء التفكك والاحتراب، ساحباً الجميع الى منطقته البنائية بدل السقوط في اللحظة الآنية التي يفرضها الواقع العراقي بقوة ملحّة أحياناً، إذ كاد الجميع أن يُستدرَجوا إلى تلك اللحظة لولا حكمة السيستاني ونفوذه المعنوي الذي شكّل له ساتراً خلفياً للبناء، حيث وظّف المرجع رمزيته العالية في نفوس المجتمع لصناعة المستقبل وإبقاء الدولة في حضن الوطن، ورغم التشظي الذي أصاب بنية النسيج المجتمعي إلاّ أن مغزل الوطن الذي ينسج به السيستاني مواقفه بشدة وتماسك حال دون ذلك التمزيق لأن مدرسة السيستاني اشتغلت بعمق على شكل الدولة ومحتواها دون أن تفرط بأحدهما لصالح الآخر إدراكاً منه بعضوية ذلك البناء.
السيستاني ليس ورقة سياسية وإنما هو سجل وطني حافل بالرؤى والمعطيات، لذلك ظل عصياً على الاختراق والتوظيف السياسي أو الطائفي، حيث فشلت قوى كبيرة ونافذة في جر موقف واحد من مواقفه الكثيرة إلى منطقة نفوذها أو مساحة مصالحها الضيقة، لأن السيستاني يمسك خارطة الوطن بعباءته الواسعة والسمحة مطلقاً العنان لما تحت عمامته من أفكار ورؤى ومواقف لأن تأخذ طابعها العام في رسم خارطة الطريق لوطن من الاحتمالات.
ظل السيستاني وفياً لقلوب آمنت به وفوّضته زمام أمورها بعدما تأكدت كل مجساتها من خلوّه المطلق من الانزياحات المصلحية، فلم تخفض مواقفه الصادقة مع المكونات الأخرى من مناسيب رمزيته العالية في نفوس المكوّن الذي ينتمي إليه لأن المرجع السيستاني أقنع الجميع بحكمته العالية بأن لا شيء يحمي هذا الوطن سوى عباءة يستظل بها الجميع.
كذلك استطاع المرجع الأعلى في النجف أن يتجرد عن كل ما يسلب منه رمزيته الإنسانية، بعد أن خلع كل الخصوصيات التي يتكئ عليها الجميع في تسويق رمزيته، فالسيستاني مرجع بلا طائفة، ومواطن بلا وطن، وقائد بلا سلطة، لأن تلك الإضافات تحجّم دوره وتجعله طرفاً في لعبة. قلت في بداية العمود، إن الكتابة في هذا الموضوع أشبه بالمغامرة لكونها اقتصرت على إشارات عابرة لبعض المواقف والأفكار التي قام بها السيستاني دون إشباعها بالبحث والتحليل وربطها مع مدونته الفقهية، كذلك أن تكتب عن مشروع بناء الدولة عند السيستاني بطريقة صحفية فإنه عليك أن تحذر كثيرا من مجموعة أمور أهمها الحفاظ على جوهر الفكرة وتقديمها بطريقة قابلة للتلقي من جميع القرّاء.
أعِدُ مَنْ طلب مني أن تتحوّل هذه الأعمدة إلى دراسة معمقة حول دور المرجع في بناء “الدولة المتدينة” التي تحترم الدين دون أن تفقد مقومات المدنية التي تحتاجها نظرية بناء الدولة العراقية الحديثة.
أعود للحديث عن مرجعية السيستاني التي أخذت طابعاً مختلفاً عن المدارس الدينية في الحوزات العلمية، ليس من حيث مواقفها الوطنية في الحفاظ على الهوية المجتمعية للعراقيين فحسب، وإنما لكونها مرجعية تعاطت مع ملفات مغلقة وحساسة لم تفتحها سجلات النجف وغيرها من المدارس الفقهية على مر العصور، إلاّ هنا وهناك، إذ فتح بعض رجال الدين بعضاً من تلك الملفات دون أن يخوضوا في كلها، وهذا ما يميز السيستاني عن التجارب السابقة، لذلك تتخوف بعض النخب من فوات هذه الفرصة دون التقاط مؤشرات بناء الدولة منها ورسم آلية حديثة لعلاقة الدين ورجالاته بالدولة والمجتمع وتأصيل رؤية جديدة في التقليد الذي كسرت أطره المتعارفة مرجعية السيستاني بعدما حرر الفتوى من حدود المُقلِدين لتنطلق إلى فضاءات أكثر سعة واتساعاً من المتعارف.
هناك مجالات واسعة للبحث في المسكوت عنه في مرجعية السيستاني، لأننا أمام مدرسة مختلفة في التقليد وقيادة الأمة بطريقة أكثر انسجاماً مع الواقع الذي استلهمه المرجع لبناء نظرية جديدة اختلفت مع أهم ثلاث مدارس دينية في علاقة الدين بالدولة، وعلينا التأمل بمفرداتها وتفكيك عوامل صيرورتها بشكل يمكّننا من البناء عليها في المستقبل.
لستُ بصدد الكتابة عن هذه المدارس ومراجعتها بقدر ما أود التنبيه إلى ضرورة الانتباه إلى ملامح مدرسة جديدة ذات رؤية حداثوية في علاقة الدين بالدولة، والأنا مع الآخر.
في عمودي الأخير حول هذا الموضوع، والذي يحمل هذا العنوان “السيستاني.. العمود الأخير” بقصد أو بدون قصد أجدُني منحازاً لهذه المدرسة التي فتحت صفوفها أمام المكونات التي ينتمي لجميعها معلمنا السيستاني دون أن ينحاز لأداة مفترضة في بناء الدولة، لأن أدوات البناء ليست متشابهة بل يجب أن تكون متنوعة بدون اختلاف أو تخلف من أحد.
تحيتي لكل القرّاء الذين تابعوا هذا العمود وتحية لعمود الوطن آية الله السيستاني.. المرجع الكبير.