شريط الاخبار

المنحة المشوبة

وكالة هنا الجنوب الاخبارية / حسين الصدر

لغنى والفقر ظاهرتان معروفتان عبر امتداد الأيام ..، وليستا بالتاكيد من الظواهر الحديثة …

– 2 – وأكثر الاغنياء –للاسف– يعيشون لأنفسهم بعيداً عن هموم المصطلين بنار الفاقة والحرمان .. ولا احد يستطيع ان ينكر فظاعة ما يخلفه هذا الشح الاجتماعي من آثار سلبية على المجتمع بأسره ، لا على البائسين والمستضعفين فقط .

– 3 – ان السخاء والشح لا يتناسبان طردياً مع الامكانات الماليّة لكلٍ من السخي والبخيل.. فقد يكون الانسان فقيراً ولكنه سخيّ نبيل ، وقد يكون في غاية من الثراء الفاحش وهو ممن يقتر على نفسه فضلاً عن غيره من الناس … قال ابن الرومي يهجو احد البخلاء : ولو يستطيع لتقتيرِهِ تَنَفَّس مِنْ منخرٍ واحدِ

– 4 – وقد اشترط الاسلام في الهبات والمنح التي تُقدّم للمحاويج ان تكون بعيدة عن المَنِّ .. حفاظاً على كرامتهم، وصوناً لهم من التعرض لما يخدش نفوسهم ويؤلمها … يقول الشاعر :

لَنَقْلُ الصخرِ مِنْ قممِ الجبالِ أحبُّ اليّ مِنْ مِننَ الرجالِ وكأس الحنظل مرّحبٌ به مادام يُقدّم بالعزّ ، أما مع الذل فالطعام مسموم ، والشراب مذموم … قال الشاعر : لا تسقنى ماءَ الحياةِ بذلةٍ بل فاسقنى بالعز كأس الحنظلِ والانسان عُرضةٌ لألوان من الازمات ، وقد يصل في بعض الأحايين الى طريق مسدود … ينغص عليه حياته ، ويوقعه في الحرج الشديد . وقد جاء في كتاب (الفرج بعد الشدة) للتنوخي قصة طريفة لا بأس من نقلها للقارئ الكريم : “ حدثنا أبو قلابه عن نفسه قال : ضقتُ ضيقة شديدة ، فأصبحتُ ذات يوم والمطر يجئ كأفواه القرب ، والصبيان يتضوّرون جوعاً ، وما معي من حبه واحدة فما فوقها ، فبقيتُ متحيراً في أمري ، فخرجتُ وجلستُ في دهليزي وفتحتُ بابي ، وجعلت أفكر في أمري ونفسي تكاد تخرج غمّا لما ألاقيه ، وليس يسلك الطريق أحد من شدة المطر ، فاذا بامرأة نبيلة على حمار فاره، وخادم أسود أخذٌ بلجام الحمار يخوض في الوحل، فلما صار بازاء داري وقال : اين منزل ابي قلابة ؟ قلتُ : هذا منزله ، وأنا هو ، فسألتني عن مسألة فأفتيتُها فيها، فصادف ذلك ما أحبّت، فأخرجت من خفها خريطة فدفعت اليّ منها ثلاثين دينارا ثم قالت : يا ابا قلابة : سبحان خالقك ، فقد تنوّق في قبح وجهك وانصرفتْ”*

وهنا لابد من وقفة قصيرة للاشارة الى بعض النقاط : 1 – لابد ان نطرح اليأس والقنوط عنّا ، فالفرج يأتي بعد الشدة ، ولن يتخلى الله عنّا وهو يُهيئ لنا من رحمته ولطفه ورزقه ما يدفع به عنا الضيق والحرج وله الحمد على عظيم نعمه وكرمه أولاً وأخيراً 2 – ان (ابا قلابة) كان من أهلِ الفتوى – كما ورد في القصة – فهو اذن من العلماء، ومع ذلك لم تكن في بيته حبة واحدة وكان صبيانه يتضورون من الجوع فالقصة لم تكن مع متسول من المتسولين مثلا … وانما كانت مع رجل يفترض في امثاله ان لا تصل به الحاجة الى هذا الحد الفظيع .. مما يعني : ان ذوي المهارات والمواهب ورجال الفكر والعلم هم أيضا ممن يتعرضون الى الاختبارات الصعبة والظروف القاسية ولكنها سرعان ما تزول . وكما قال الشاعر : ما بَيْنَ غمضةِ عينٍ وانتباهَتِها يغيّرُ اللهُ مِنْ حالٍ الى حالِ انها اذن بشرى للمكروبين من ذوي الكفاءة والخبرة والمهنيين 3 – البر والاحسان ليسا وقفاً على الرجال ، وانما هما موجودان في النساء ومطلوبان من الجنسين معا … 4 – ان المنحة المالية التي قدّمتَها المرأة الوافدة على أبي قلابة لم تخلُ من الشوائب : فقد واجهت أبا قلابة بما يكره ، وأشارت الى قبح وجهه ، فأفسدت صنيعها الجميل وموطن العبرة : ان لا نخلط “الحسن” من الأقوال والافعال بالقبيح”

*موسوعة الكنايات العاميّة البغدادية للمرحوم الاستاذ عبود الشالجي ج1 / 331 – 312