أين أخطأ البرزاني

وكالة هنا الجنوب الاخبارية / هادي جلو مرعي

مبدأ تقرير المصير ليس كوب عصير يمكن شرب مافيه، ثم رميه في القمامة. ولذلك لاتنازع من حيث المبدأ في حق كل إنسان أن يقرر نوع الحياة التي يعيش، والوجهة التي يتجه، فكيف بالمجموعات البشرية التي تحتفظ بإرث فكري مختلف، وبحضارة عميقة، ولغة وعادات وتقاليد وأفكار تميزها عن بقية الأقوام. وسواء كان ذلك في كردستان العراق وسوريا وإيران وتركيا، أو كان في كورسيكا الفرنسية، أو في كتلونيا والباسك الإسبانية، أو في لمباردي الإيطالية، أو في بافاريا الألمانية، وربما في بلجيكا، وحتى في أفريقيا القارة والأمريكيتين كما في ولاية كالفورنيا على المحيط الهادي فليس من مشكلة، ولكن الفرق يكمن في التفاصيل والضرورات والتحديات وطبيعة المرحلة التي يعيشها كل بلد، فقد فشل الكورد وللمرة الرابعة في تحقيق النصر وقهر إرادة العرب والفرس والترك وصناعة الدولة الموعودة، وهاهي كتلونيا في شمال شرق إسبانيا تتجه نحو نفس المصير وتلحق بها مقاطعة لمباردي الإيطالية التي يجيز الدستور في روما لسكانها الإستفتاء على إقامة حكم ذاتي في ذات الوقت الذي قررت مدريد إلغاء الحكم الذاتي عن برشلونة وفرض سيادة السلطة الإسبانية كاملة عليها والبعيدة عن الواقع منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي حين طبقت الديمقراطية بشكلها الحديث في هذا البلد.
رفض السيد مسعود البرزاني دعوات ونداءات من داخل إقليم كردستان ومن دول جوار إقليمية وعربية ومنظمات دولية كبرى بتأجيل الإستفتاء، أو إلغائه لكنه لم يستجب لها وقرر المضي في محاولته الدفع بإتجاه قيامة الدولة الكردية الموعودة والتي تمثل إرثا عقيديا للأمم الكردية المغلوبة على أمرها في منطقة الشرق الأوسط وآسيا، وجرى الإستفتاء الذي لم يكن متوقعا فشله في تحصيل موافقة شعب كوردستان على الإستقلال عن السلطة المركزية في بغداد، وبغض النظر عن التكهنات التي أطلقها متنبئون ومحللون وباحثون إستراتيجيون حول مستقبل تلك (النعم) التي أعلنها الشعب في الإقليم الشمالي فإن الإجراءات لم تكتمل، وبدلا من التوجه الى كل مساحة كردستان المعروفة والتقليدية قرر حيدر العبادي توجيه الضربة الى القلب والتي أصابت الطموح الكردي بمقتل حين أرسل قوات الحكومة مدعومة من الشرطة والحشد الى مدينة الذهب الأسود، وسيطر عليها بالكامل في خطوة توقعها البرزاني من صدام حسين قبلا، ومن المالكي لاحقا، ولكنه لم يكن ليتوقعها من العبادي الذي كان يظنه الحمل الوديع في معادلة الصراع.
كان التقدير خاطئا بالطبع فماجرى في العراق من أحداث مروعة طوال السنوات الثلاث عشرة المنصرمة بعد سقوط نظام صدام حسين والفوضى الأمنية والسياسية والإقتصادية التي ضربت العراق والتي ساهمت في صعود الإقليم الشمالي كمصدر للراحة والإستجمام والنهوض الإقتصادي والأمني حين كانت التفجيرات تضرب بغداد، والمعارك تندلع في الغرب والجنوب والشرق، وكان العراقيون يتوجهون الى مدن الإقليم للسياحة والراحة والإستجمام، وكان متوقعا أن يستمر ضعف السلطة المركزية التي تغلغل فيها الكورد بمختلف الوسائل، ولم يستثنوا قطاعا إلا ودخلوه ووضعوا أيديهم على مواقع النفوذ فيه، وبينما كانت داعش تتسلل وقبلها القاعدة الى كيان الدولة الوليدة، وكانت الأسلحة الباهظة الثمن تتناثر من بين أيدي الجنود النظاميين وتتحول الى البشمركة كان الأمل يحدو البرزاني في إنهيار العراق كدولة مركزية بالكامل، ثم إستثمار الصراع مع داعش، وحجم الثروة المتكدسة لديه من نفط كركوك لإعلان الدولة والإبتعاد عن بغداد.
في الواقع فإن إيران وتركيا لم تكونا بعيدتين عن المشهد العراقي، فشعورهما الدائم بخطر الكورد ونواياهم المستقبلية جعلت من طهران وأنقرة في تفكير مستمر في إمكانية وأد الحلم الكردي بالتنسيق مع بغداد رغم كم الخلافات حول القضايا الإقليمية، ونوع التوجهات، ونتيجة السلوك الأمريكي في الأزمة السورية، وتقاطعات أنقرة مع أوربا، والحاجة الى تحالف مؤقت مع طهران لوقف التمدد الكردي في البلدين الجارين، والخوف من نجاح تجربة الإستفتاء، وظهور العراق كقوة عسكرية مهمة ومدعومة، ونشاط الحشد الشعبي الذي لم يكن أحد ليتوقع ظهوره قبل عام 2014 كانت كلها عوامل أخطأ البرزاني في تقديرها. بمعنى آخر إنه لم يوفق في قراءة المشهد جيدا، وتوهم إن بغداد في لحظة الإنهيار الأخير لكنه تحرك في لحظة فورة وحماسة غير مسبوقة مشفوعة بفتوى دينية وحماس شعبي قل نظيره، وهي عوامل جعلت من تقدم القوات العراقية يسيرا نحو كركوك، وأدرك قادة كرد معارضون ولهم تأثير على فصائل من البيشمركه إن الحماقة تكمن في المواجهة، ولابد من تحرك مغاير يخفف مفعول الصدمة، فقد كانت بغداد ومعها طهران وأنقرة في جماسة عالية للإنقضاض على المشروع الكردي وهو ماأكده حجم الترحيب في البلدين لخطوات العبادي.
الحديث عن صفقات هنا وهناك لايلغي حقيقة أن هناك قرار محلي وإقليمي بمنع البرزاني من الذهاب بعيدا في حلمه، وكان لزاما تحويله الى كابوس قبل بزوغ الشمس، وهو ماحصل بالفعل حين غادر البيشمركة العديد من مواقعهم قبل شروق شمس السادس عشر من أكتوبر 2017.