الكتابة في الكلمات

وكالة هنا الجنوب الاخبارية / ياسين النصير

كلما أنجزت مقالة، اشعر أن مكتبتي تعيد تنظيم نفسها لاستقبال المقال التالي، فالمكتبة من أكثر الأمكنة إحساسًا بما أُفكر به، ،ما أن أنتهي من موضوع حتى تبدأ في تهيئة نفسها لموضوع آخر، مكتبتي تفكر أكثر مني، وكأنها كائن أميبي يعيد تكوين نفسه كلما مر بتحول عضوي، لم أر في الكتابة مكتبتي نفسها، بل أرى تحولاتها الدراماتيكية وهي تهيئ محتوياتها لأفكاري. هذا يعني ثمة عطل في التفكير الأحادي، لايمكن لأية فكرة ان تستكمل شروطها دون الحضور الموازي للمكتبة، فالمكتبة ليست كيانا جامدا تنظر إليه في كل مرة لتجدها نفسها، بل هي كائن متحرك، يجول مع أفكارك ويستحضر لك معلومات الآخرين ويضعها أمامك كما لو كانت هي التي تفكر بالكتابة. المكتبة هي الكلمة التي تعيد تنظيم العالم، وقد أسس الفراعنة للكلمة إلهاً. فبعد اي إنجاز أجد ثمة تغييرات جديدة في مكتبتي، فما كان لها في الأمس لم أجده اليوم، كل شيء في المكتبة يتحرك، ليس في تنظيم مكان الكتب، ولا في التعرف على الكتب من عنواناتها وأغلفتها،إنما في المعلومات التي تخترق الذاكرة ، فقد يذهب بك الأمر إلى تذكر الصفحات ومواضع الفكرة فيها، هذه الفوضى الخلاقة جعلتني أصرف أوقاتا طويلة لإعادة تنظيم حيز اشتغالي، إلى درجة أني جعلته امتدادا لذاكرتي وعيني ويدي وفهرست موضوعاتي، والغريب أنه كلما امتد العمل زمنا بموضوع ما، كلما زاد تنظيم المكتبة لنفسها، فالمكتبة ليست مجموعة كتب موضوعة على الرفوف، إنما هي عوالم كمايقول بورخس ، مؤلف من كائنات تتحرك استجابة للأفكار، كائن ينمو دون أن يشيخ، ويمنح دون أن يسأل، ويحتوي دون أن تفكر فيه، هذا العالم الأميبي الذي يمتد بين شرايين عقولنا والذاكرة يعيد إلينا العالم لغة وصورا وأفكارا، وما لم يفكر به.. ولم يقف الأمر بما تضخه وتحتويه المكتبة فحركتها الدائبة نمو وتجديد، وحين أتأملها أجد نفسي في شغل متواصل لإعادة ترتيب طاولتي أيضا ، فحيز الاشتغال إذا لم يكن جاهزًا تُهرِّبُ المكتبة معلوماتها، الكائن يحسسك بوجود العالم حولك،وفي متناول يدك، كائن يعيش حياتك. بعد كل مادة أكتبها، مهما كان حجمها، ومحتواها، أعيد تنظيم مكتبتي في داخلي، كما تعيد هي تنظيمي في داخلها، فنحن كائنان يعشق أحدنا الآخر، ولن تعوضني أية مكتبة عن مكتبتي هي أنثاي المعطاءة التي لم تمنح سواي أنوثتها، وما الكتابة إلا تدمير لسكونيتها وتجديد لحضورها البهي في عالمي، العمل فيها تجديد لعقلها، والعمل فيها تجديد لعقلي أيضا، فنحن كائنان ولدنا من رحم عجائن الآلهة. لا شيء يعيد الفوضى للمكتبة مثل الكتابة. بعد الانتهاء من الكتابة، التفت لألقي نظرة على مكتبتي وطاولتي وشاشة الكومبيوتر، لأرى العالم المشتت الواسع الذي كان قد كتب نفسه في الكلمات.