كم “بنين” ماتت في عناية اللا عناية!

وكالة هنا الجنوب الاخبارية /حسين النعمة

ربَّ قائل يقول: “ما يخرج من القلب يقع في القلب…”، فمن يعيش تجربة مؤلمة تنتهي بوداع عزيز على قلبه.. نتيجة اهمال طبي أو تقصير مهني، وقبلها تقصيرلا انساني؛سيشعره ذلكإن قواه مكبلة لهذا الفقد المؤلم.

الحديث عن الواقع الصحي في البلد طويل وربما متشعب، وفي كل محطاته يوجد ألم وآهات تعتلي هام اوجاعنا، وفي جميع مؤسساته الحكومية والاهلية، قد وجدتُ ذلك في تجربة عشتُ لحظاتها بؤس وتخوف وقلق لم يفارقني حتى بعد توسيد فقيدتي الثرى.

لا شكّإن اي مكان لا يخلو قطعاً من اناس تترك في ذاتك انطباعات جميلة وبذات الوقت العكس أيضا،فتحتفظ بها ذاكرتك، وتبدأ باجترارها كلما صادفك موقف ما! يذكرك بالجرح، وقد يكون فعل أولئك كسمٍ في داخلك، لأن الامر يعني انك لا تستطيع نسيان التقصير والإهمال الذي تسبب بموت طفلتك التي لم تكمل بعد شهرها الرابع فقط.

“بنين” وهي غدت اسم للوعة،والتي ولِدتبمستشفى “اهلي”، واهتموا بها لدرجة أن وصفتهم في إحدى كتاباتي بـ”ملائكة الرحمة”.. اطباء.. ممرضين، طيلة شهر، وفي ذات اليوم الذي اخرجتها من المشفى انبئوني بأن لديها فتحة في القلب، لكنها ليست خطرة على حياتها، ونصحوني بمراجعة طبيب مختصبقلبية الأطفال، وفعلا تواصلت مع طبيب بهذا الاختصاص،فأراني في جهاز (الإيكو)- درجةالخطورة:(رسم مخطط للقلب يبين درجة الفتحة ومكانها)، وأوضح كيفية السيطرة على هذه الحالة من خلال متابعتها شهريا معه، واتخاذ بعض الاجراءات الاحترازية منزليا.

وقبل انقضاء الشهر حدث ما ليس بالحسبان، حيث اصيبت الطفلة بالتهاب رئوي تطلب مني ادخالها الى ذات المستشفى الأهلي الذي ولدت فيه، وبعد ساعات طلبت الدكتورة المعالجة.. طبيبامختص بالقلبية، وقتما عرفت ان لديها فتحة بالقلب؛ فعملوا لها “ايكو” جديد، ووجه هذا الطبيب بدخولها العناية المركزة فورا، وزرقها بحقنة خاصة بعجز القلب، رغم ان حالتها لم تتطلب تلك الحقنة ـ بحسب الطبيب الاختصاص الذي بيّن لي ذلك في وقت لاحق في قسم طوارئ مستشفى الاطفال في محافظة كربلاء ـ فانتكست حالتها الصحية ولم تكف عن البكاء طيلة ليلتها في العناية المركزة، مما ازعج العديد من المرضى وطلبوا من الاطباء إخراجها؛ بذريعة انها صالةللعناية الخاصة بالكبار وليست بالأطفال، وهو ما حدا بالطبيبة المعالجة بالاستعجال لإخراجها من المستشفى، وتحويلها الى مستشفى الاطفال، وهنالك بدأت معناة جديدة، فبعد ليلة مضنية نأمل فيها تحسن وضعها الصحي، واجهنا في البدء اعتراض استقبالها لأن حالتها بحسب تقديرهم متأخرة، فلم يقبلوها في العناية الوسطية– (ردهة تستقبل الحالات المرضية الخطرة) – بل استقبلوها في قسم الطوارئ مع حالات عديدة كان من المحتمل ان تصاب بالعدوى من اي حالة اخرى موجودة في ذلك القسم، الذي يضم العشرات من الاطفال المرضى بين داخلين وخارجين.. ومع هذا الضجيج ولمدة خمسة أيام نواصل الليل فيها بالنهار سهرا على امل تحسنها كانت الطفلة تستجيب للعلاج يوم وتسوء حالتها يوم آخر، الى ان قرر الطبيب الاختصاص بضرورة ادخالها الى العناية الوسطية، لكن ادارة العناية لم تستقبلها بحجة إن الطبيب الخفر في اجازة،فوجه الطبيب الاختصاصبإرجاعها الى الطوارئ على ان يتم استقبالها في اليوم التالي دون مراعاة ظرفها الصحي وحالتها الخطرة.. رغم ذلك رأيتُ لهفة الاطباء المقيمين وحيرتهم في الطوارئ وعجزهم من علاجها، فهم لا يزالون مقيمين (اطباء قليلي الخبرة والممارسة)، وليسوا بمقيم اقدم او طبيب اختصاصالذي لم اجده ابدا طيلة الأيام الخمسة خفرا.. لا في الطوارئ، ولا في الردهات، ولا في العناية الوسطية، انما وبحسب بعض الممرضين ان ثمة ترتيب بينهم!.. فإن وجد مثل هذا الطبيب الخفر؛ ففي غرفة راحة الاطباء مشغولاًبـ(العاب الإلكترونية) او بـ(الأنترنيت) ساهرا على مشاهدة قنوات اليوتيوب او مواقع التواصل الاجتماعي.

والقصور ليس فيهم فحسب؛ بل بإدارة المشفى التيتعول على اطباء جدد مقيمين ليس لديهم القدرة الكافية على معالجة الحالات الحرجة.. إلا في نجدة بعض الحالات العادية.

كلّي أمل ان ينظر في سطوري حرصا منا جميعاً أن لا تضيع أرواح بريئة أخرى، وأن لا يضيع الأطباء الجدد ضمن ضوابط وزارة الصحة غير المجدية.. آملين أن يتم تعديل مثل هذه الضوابط بشمول أطباء اختصاص ضمن حالات الخفارة الليلية.

بعد ذلك وقتما رفضوا استقبال الطفلة ذلك اليوم في العناية الوسطية ساءت حالتها، ومع الغروب غربت روحها بين يديوالدتها وكأني بها ترفض البقاء في عالم ظالم لم يراع براءتها،ومشفقة علينا من مجيء ليلة ألم آخر.