“ولية مخانيث” ..!

وكالة هنا الجنوب الاخبارية / علي علي

مرت أكثر من أربع عشرة سنة، والعراق يرفل بفيض الحرية المزعومة، ومافتئ أبناؤه يتنعمون بسيل الديمقراطية التي أمطرتها عليهم سماء عام 2003، إلا أن حظهم على مابدا، لم يكن أبيض أو ورديا أو بمبيا، إذ انقلب عليهم الغيث الى وابل، ونعمة المطر أضحت حجارة من سجيل آلت بحالهم الى عصف مأكول. إزاء هذا، كان حظهم وافرا من الرعد والبرق والزوابع والأعاصير، إذ مازالت الأخيرات تتصدر معطيات سماء ذاك العام وماتلته من أعوام حتى لحظة كتابة هذي السطور، ذاك أن الشخوص الذين تلقوا هبة السماء بخسف الأرض بهدام العراق، لم يكونوا جديرين بصون تلك الهبة وتجييرها لصالح البلاد والعباد، بل كانوا (يحدّون سنونهم) لفرصة ذهبية مثل هذه، وقد جاءت (للحلگ) كما يقول مثلنا؛ (عيد وجابه العباس).
وبألاعيبهم وبهلوانياتهم وتلوناتهم التي برعوا فيها أيما براعة! وأفانين المراوغة والتحايل والخداع التي أبدعوا فيها أيما إبداع! استثمروا فرصة استلام مقود الحكم في العراق، وتصدروا المشهد السياسي والاجتماعي والعسكري والاقتصادي، فراحوا يسخرون كل هذه المؤسسات لخدمة مصالحهم، وفتحوا جيوبهم عن آخرها لتهيئتها للآتي من المال، من دون مراعاة لحلال وحرام وعيب وعرف وذوق، ولم توقفهم نداءات المواطن المظلوم، حتى طفح به الكيل واختار التظاهر السلمي كسبيل أخير للخلاص من المآسي اليومية التي يعيشها في بلده، والتي تسبب بها سراقه المنحدرون من عام 2003.
ولقد استمر المشهد العراقي بوتيرة متسقة، لم ينل منها التغيير قيد أنملة، فضلوا “محلك راوح” طيلة العقد ونصف العقد العجاف، سائرين وفق نسق ونمط ثابت وما بدلوا تبديلا، وهذا طبعا بفضل ما رسمه الساسة والقادة، وفصّلوه (غسل ولبس) على مقاس المواطن، الذي بدوره مافتئ يمارس في حياته ثوابت رتيبة فهو: يطيع، يكدح، يضحي، ينتخب… والنتيجة: يجوع، يُحرَم، يُسرَق ويُغمط حقه. وكان العمل ساريا على هذا المنوال تطبيقا لشعار البعث سابقا: “البعثي أول من يضحي وآخر من يستفيد” وحل محل البعثي مفردة المواطن. فالأديب او الشاعر على سبيل المثال، يعيش ألم وطنه وأهله وناسه ويتحسس همومهم، ويسمو بحسه، فينظم قصيدة نزفها جراح العراقيين، والنتيجة: يلقيها في محفل يحضره رئيس من رؤساء مجالس الدولة، او وزير، ويفرح شاعرنا وهو يراهم يصفقون له بحرارة، ظانا ان شكواه وصلت آذانا صاغية، لكنهم في حقيقة الأمر كانوا ينفضون أيديهم ان لاشيء مما في القصيدة سيتحقق.
الكاتب هو الآخر يتألم لما يراه في مجتمعه، يقلب الحروف الهجائية، فيستخرج منها عصارة ثقافته وأفكاره، يكتب شكوى ينقل فيها حال المواطن، او مقالا يصف البنى التي اصبحت دون التحتية، ويستعرض سوء الواقع في مايراه من أوضاع البلد، وبعد ان تصل الى أنظار المسؤول الرفيع، تـُعامل كأنها موضوع إنشائي كتبه تلميذ، والسيد المسؤول قد يتعب أنامله بتصحيحه. وبذا يكون الفرق بين المسؤول وكاتب الشكوى كقول نزار قباني: الحرف عندي نزيف دائم.. والحرف عندك ماتعدى الإصبعا.
والإعلامي يعشق مهنته ويمارسها بإخلاص معرضا نفسه لأخطار شتى، والنتيجة: يُبخس حقه، يُكمَّم فاه، يُضطهد، يجوع، يمرض، يموت من دون عزاء. وهكذا استمرت يوميات العراقيين كما نقول: (على هالرنه طحينچ ناعم). وأظن ان هذه الرتابة أخذت مع شريحة السراق ذات المنحى لكن بشيء من الخصوصية المعمّدة بالمحسوبية والمنسوبية، إذ هم يسيرون بالخطى الرتيبة ذاتها بجميع درجاتهم ورتبهم ومراتبهم، وتستمر الرتابة حتى آخر نفَس من السرقات، والنتيجة واضحة ومدروسة النتائج، فمكان السراق مهيأ في إحدى الدول الشقيقة وغير الشقيقة وهي كثر، وان صدر حكم غيابي فانه كما قال وزير التجارة السابق فلاح السوداني: (لم تهتز له شعرة من رأسي). هذه الصورة كانت هي السمة البارزة لما يدور ويحصل في عراق مابعد 2003..
اليوم وقد وضع المواطن إصبعه على جرحه النازف منذ سنين، بعد أن يئس من المسعفين والمغيثين، لاأظن قادم الأيام سيكون سهلا أمامه، فالتحدي كبير والخوض فيه صعب، لاسيما وأخطبوط الفساد له أذرع تمتد في كل مؤسسات البلاد، الخوف كل الخوف أن يتوقف المواطن في منتصف الطريق، وساعتها لن يرحمه الفاسدون، فصولتهم حينها ستكون كصولة الضباع التي قال عنها مثلنا: “ولية مخانيث”.