انتخابات العراق، حقائق وأرقام صادمة

وكالة هنا الجنوب الاخبارية / ابراهيم العبادي
أسابيع قليلة تفصل بين العراقيين وتوجههم إلى صناديق الاقتراع، اذ تسود حالة من الترقب والمراهنة ويسرف البعض في تشاؤمه مثلما يبالغ كثيرون في آمال عريضة يتمنون أن تسفر عنها الانتخابات. وواقع الحال يشير إلى إن أهمية الانتخابات هذه وحجم المراهنات الداخلية والخارجية عليها، لم نشهد لها انعكاسا واضحا، لا في وعي الناخب، ولا في طبيعة التحالفات والقوائم ولا في مستوى البرامج والمتبنيات. إذ تشترك جميع القوائم والكتل في الدعوة إلى محاربة الفساد وتفعيل القانون وتنشيط الاقتصاد وتحديث الإدارة والمحافظة على وحدة البلاد وقوتها والسعي لتحقيق العدالة الاجتماعية واحتواء جميع المكونات والقوى المحلية في مؤسسات الدولة، ما هو التمايز إذن بين هذه وتلك؟ في حقيقة الأمر، لا تمايز جديا كبيرا ولا تغييرا نوعيا في الخطاب والأهداف، فالأعم الأغلب هو انعدام الفوارق الجوهرية والاعتماد على رموز سياسية وحكومية، ربما الفارق الوحيد هو خلفية الأشخاص الحزبية والإيديولوجية، وتكوين الكتل المطعمة بأشخاص قادمين من خلفية مختلفة عن خلفية الكتلة الأصلية، كأن يجتمع دينيون ولا دينيين، وتكنوقراطيون مستقلون مع حزبيين ذوي خلفية إيديولوجية، وربما عد ذلك تطورا وتغيرا جزئيا لمراعاة استحقاقات واحتياجات الواقع الاجتماعي والسياسي، لكن المشكلة الحقيقية هي في الناخب، فالعراقي المحبط من جملة الأوضاع صار يتوقع بل يشترط أن يكون المرشحون مشمرين عن سواعدهم لتوفير الخدمات له، ولذلك اصطدم الكثير من المرشحين بمطالبات الجمهور الذي يريد منهم أن يضمنوا له (تعيينات) لدى الدولة، وتعهدات بتحسين خدمات الماء والكهرباء والمجاري وتبليط الطرق وتوفير فرص عمل، وهكذا استطاع بعض المرشحين أن يدخلوا إلى عقول بعض الناخبين بادعاء القدرة على توفير تلك الخدمات، وإعطاء وعود مستقبلية بذلك، وإذا دل ذلك على شيء فإنما يدل على إن الجمهور يريد (نواب خدمات) وليس نواب برامج سياسية، فليس من أولويات الناخب من يكون زعيما لكتلة ومن سيصبح الرئيس القادم أو رئيسا للوزراء، وإذا كان ثمة مفاضلة بين هذا المرشح أو ذاك، فان الجمهور مختلف في ذلك اشد الاختلاف، فهو تارة يريد (الزعيم القوي) الذي لا يتنازل لطرف أو جماعة، وتارة يريد (المسؤول المرن) الذي يستطيع بهدوئه أن يجنب البلاد المنزلقات الخطرة ويحقق مكاسب مهمة، وتارة ثالثة يفكر بمن يزيد له راتبه ويخفف من الاستقطاعات والضرائب، ونتيجة ذلك كله، هو أن الجمهور في سواده الأعظم حائر وسط تراشقات بين (الكبار) عمن هو صاحب النسبة الأكبر من الأخطاء والأزمات والمشكلات، ومن الأقل نسبة مسؤولية في المساهمة بنشر إخطبوط الخراب. الجمهور غير المتحزب والذي لا يصنف بأنه صوت تقليدي للحزب الفلاني أو التيار الفلاني، يجد صعوبة في حسم اختياراته، وهو ينتظر وضوحا اكبر في الأيام القادمة مع تزايد عدد الطامحين لبلوغ منصة رئاسة الوزراء وتزايد الهمس الدبلوماسي ودوائر التأثير الخارجية المعنية بهذا الموضوع. القضية التي لم يحسب لها حساب جيد هي النسبة الأكبر من الناخبين الشباب الذين لم تتأثر عواطفهم ووعيهم بصور أيام النضال والجهاد ضد النظام المباد والذي لم يعرف محمد باقر الصدر ولا حزب الدعوة الإسلامية ولا يتذكر أيام البطش والاستبداد العنيف، وليس في تفكيره صلة بأهداف إيديولوجية ولا مشاريع أفكار وزعامات، هؤلاء يفكرون بين نموذجين وصورتين للدولة، دولة ما قبل السقوط التي يتحدث لهم عنها الكارهون والحانقون على دولة ما بعد التغيير، دونما دخول في الأسباب والمراحل والمتغيرات، وعدد هؤلاء الناخبين يربو على الخمسة ملايين ناخب إذا أخذنا مبدأ الحساب منذ عام 1995، وإذا أضفنا اعداد الموظفين والمتقاعدين الذين يتسلمون رواتبهم من الدولة وبرقم يقترب من الخمسة ملايين، فإننا سنكون أمام حقائق صادمة عن نفسية الناخب وسيكولوجيته وتقلباته والمؤثرات التي ستطبع اختياراته، قد تكون انتخابات عام 2018، بداية مرحلة سياسية في العراق تفرض نفسها على الأحزاب والقوائم والكتل إذا ما شارك فيها عدد غفير، وقد تكون استمرارية لمرحلة الاستقطاب الحزبي والطائفي والاثني والقومي اذا كانت المشاركة عادية او ضعيفة ، وليس من شك في إن الباحثين عن الأصوات حائرون في كيفية مخاطبة فوضى الوعي والأولويات لدى الناخب، لكن مكر التاريخ وعقوبات الأجيال ستأتي تباعا، فالعراقيون متعطشون لدولة الخدمات والمنجزات لا دولة الشعارات
والإيديولوجيات.