ماذا بعد حرق الدستور؟ …محمد عبد الجبار الشبوط

محمد عبد الجبار الشبوط

كثيرون رفضوا حرق المباني الحكومية والحزبية من قبل اشخاص كانوا بين المتظاهرين. وتنسيقية البصرة اوقفت التظاهرات لقطع الطريق على المخربين وحوادث الشغب؛ لان التظاهر من اجل حقوق ومطالب مشروعة شيء، والتجاوز على ممتلكات الدولة وغيرها شيء اخر.
هذا كله والمحروق حجر وصخر.
اجتمعت النخبة السياسية تحت قبة البرلمان في اطار جلسة استثنائية لا يقرها الدستور. وظهر في الجلسة ان هذه النخبة، بقديمها وجديدها، بفرعيها التشريعي والتنفيذي، ليست بمستوى المسؤولية، وهي غير قادرة على حل “مشكلة البصرة”. و ظهر رئيس الوزراء بوصفه شخصا ضعيفا لا يصلح للمنصب الذي يشغله.
وهذا قد يعني ان المشكلة في طريقها الى ان تتحول الى ازمة. والفرق بين المصطلحين: ان النخبة قد تكون قادرة على حل “المشكلة” بالادوات المتوفرة، لكنها غير قادرة على حل “الازمة” بنفس الادوات.
الدستور احد اهم هذه الادوات. وقد قامت النخبة بحرقه، بمعنى خرقه وانتهاكه وعدم التقيد به. وتفسير هذا الخرق امران: اما لان النخبة لا تؤمن بالدستور، واما لان الدستور غير قادر على المساهمة في الخروج من الازمة.
نتوقف قليلا لنقول: ان حرق الدستور اخطر من حرق الحجر. واذا كان حرق الحجر تم من قبل “مندسين” كما يقال، فان حرق الدستور تم من قبل الاشخاص الذين يحكمون ويشرّعون باسمه. واذا كان الدستور هو خارطة الطريق بالنسبة للدولة، والعلاقة بين الحاكمين والمحكومين، و لائحة الحقوق والواجبات والحريات، فان كل هذا قد ذهب واصبح مجرد حبر كان على ورق محروق الان. وكل هذا يقدم دليلا على ان النظام الحالي نظام هجين وليس نظاما ديمقراطيا بالمعنى المحدد للكلمة.
المناداة بالعودة الى الدستور لم تعد جذّابة، ولا باعثة على الامل والعمل؛ فمن هو المقصود بالدعوة؟ النخبة السياسية التي حرقته؟ ام الشعب الذي ما زال يبحث عن ابسط مستلزمات العيش الكريم؟ لا هذا ولا ذاك.
اذاً، وصلنا او نكاد نصل الى حالة تتطلب حلا من خارج الاشخاص والادوات المتوفرين، فالاشخاص والادوات المتوفرة قد يكونون جزءً من المشكلة وليس جزءً من حلها.
يناقش العراقيون مخارج للازمة. ويذكر بعضهم الانقلاب العسكري، ويذكر اخرون الثورة الشعبية العامة. ولكن هذه مخارج اما انها لا يمكن تحقيقها الان (الانقلاب العسكري)، او ذات كلفة عالية (الثورة الشعبية العامة). فيما يفكر اخرون بالطريق الثالث الذي قد يشكل حلا وسطا بين هذين الطريقين. من معالم هذا الطريق الثالث ان يعلن العبادي رسميا استقالته وتحول حكومته الى حكومة تصريف اعمال لمدة شهر واحد فقط، وان يعلن البرلمان حل نفسه بموجب المادة ٦٤/اولا، وان يعلق الدستور ماعدا الباب الاول والباب الثاني، وان تقوم جهة محايدة (كالمرجعية الدينية) بتكليف شخصية مهنية حيادية مستقلة بتشكيل حكومة مؤقتة تتولى الحكم لمدة سنة واحدة تقوم خلالها بما يلي:
اولا، تعديل الدستور تعديلا جذريا يتضمن معالجة كل الثغرات والمشكلات التي ينطوي عليها بما في ذلك حسم مسالة النظام الرئاسي وعدد النواب والتوافقية الخ واستفتاء الشعب عليه.
ثانيا، اجراء انتخابات برلمانية بمجلسيه ( ورئاسية، في حال اقرار النظام الرئاسي) بموجب الدستور الجديد وقانون انتخابات جديد يقر الانتخاب الفردي ويلغي الانتخاب بالقائمة، ويقر مبدا الانتخابات النصفية للبرلمان، ويفك العلاقة بين انتخاب رئيس الحمهورية وانتخاب البرلمان.
ثالثا، تشكيل الحكومة بموجب الدستور الجديد ونتائج الانتخابات.
وبعد اكمال كل هذه الاجراءات وغيرها، تستقيل الحكومة المؤقتة، ولا يشارك رئيسها ولا اعضاؤها في الحياة السياسية لدورة انتخابية كاملة (اي ٤ سنوات)