العشيرة والفساد والرشوة بالمحاكم تقتل النساء في ذي قار

هنا الجنوب – تقرير خاص
قبل عدة أيام، قام زوج بقتل زوجته وحرق جثتها بسبب خلاف مالي في الناصرية جنوب العراق، ثم أتصل بالشرطة ليخبرهم بأنها قد انتحرت، لكن روايته لم تكن مقنعة للمحققين الذين سرعان ما اكتشفوا إرباكه وقلقه، قبل أن يلقوا القبض عليه بتهمة القتل والتنكيل في الجثة، والتي عقوبتها الإعدام بحسب القوانين العراقية.
وفي حزيران الماضي، وجدت الشرطة شمال مدينة الناصرية، جثة لامرأة غارقة في نهر فرعي، وعليها آثار ضرب وكدمات كثيرة، وبعد التحقيق، وجدت أن احد أبنائها هو القاتل، بسبب خلاف عائلي، دفعه إلى ضربها ثم رميها في النهر.
وتشكل المرأة الحلقة الأضعف في الخلافات العائلية الكثيرة التي تحصل، والتي تكون نتيجتها في الغالب القتل أو الطعن بالخطأ أو الحرق، للتغطية على حدث حصل، كغسل العار، أو بسبب المال، أو الإنتحار نتيجة الضغوط النفسية.
وفي السنوات القليلة الماضية، ارتفعت جرائم القتل بحق النساء في جنوب العراق بشكل لافت، وتصدرت جرائم غسل العار والإنتحار القائمة، الا ان القتل من غير هذه الأسباب بدأ يزداد أيضا، وفق ما تحدثت به مصادر أمنية وقانونية، بشأن ما يحصل للنساء بشكل عام من عنف وقتل.
وعلى الرغم من تشدد القوانين العراقية وتعاملها بشأن جرائم القتل العمد الا أن أغلب مرتكبي الجرائم، لم تطبق بحقهم تلك العقوبات التي نص عليها القانون العراقي، اذ أن الفساد والرشوة في المحاكم العراقية ساهم بشكل كبير في عدم تطبيق العدالة بحق الجناة.
وفي ذات السياق قال الخبير القانوني علي حسين، في حديث لـ”هنا الجنوب”، أن “جرائم القتل العمد عالجها قانون العقوبات العراقي في غير القتل في الجرائم المنظمة في قانون مكافحة الإرهاب وفقا للمواد 405 و406، واعتبر القانون العقابي أن جرائم القتل العمد الواردة في المادة 405 بالقتل البسيط الخالية من ظروف التشديد باعتبارها جرائم قتل عمد تولدت بشكل آني ودون تخطيط مسبق لها”.
وتابع حسين حديثه، “أما جرائم القتل العمد المقترنة بظرف مشدد مثل التخطيط المسبق وظرف الليل وتعدد الجناة وحمل السلاح الظاهر والتمثيل بالجثث والقتل بدافع دنيء والقتل بالسم أو المفرقعات والخ من الظروف الواردة في المادة 406 فاعتبرها القانون مشددة للجريمة وللعقوبة، وارتفع بسقف العقوبة إلى الحكم بالاعدام على عكس المادة 405 التي تصل للسجن المؤبد أو المؤقت لغاية اثنا عشر سنة أو عشر سنوات بحسب احوال وظروف ارتكاب الجريمة وأسبابها”.
وأضاف “بخصوص موضوع وقوع الجرائم على النساء، فأن جرائم الواقعة هنا تكون ذات ظرف خاص خاضعة لظروف وعادات المجتمع فيقع الخلط بين القتل بباعث شريف اي قتل النساء بجرائم الشرف التي اعتبرها القانون ظرفا مخففا للعقوبة وبين قتلها بدون عذر وبعض الأحيان يتم الإعلان عن الجريمة وتسجيلها فهنا تتخذ الإجراءات وفق الاصول، ويتم التأكد من الجريمة هل تمت بباعث شريف بواسطة التحقيقات التي تجريها المحكمة وبعض الأحيان يتم حرق المجنى عليها بشكل يصعب الوصول لأسباب الجريمة وبواعث ارتكابها، بحجة أن المجنى عليها قد ارتكبت جريمة الإنتحار بحق نفسها”.
وبيَن “أما في حالة عدم تسجيل الجريمة وإخفاء الجثة ودفنها فهنا يتعذر المباشرة بالإجراءات التحقيقية ومن ثم الوصول لمن ارتكب الجريمة ما لم يتم الإخبار عنها أو اختفاءها”.
ويشكل موقف القبيلة من المرأة والنظرة تجاهها بشكل متدني، إلى إرتفاع نسبة جرائم القتل والإنتحار والعنف المتزايد ضدها، فيما يساهم بذلك القانون والمحاكم العراقية التي تكون في كثير من الأحيان بجانب الجاني، بسبب الفساد والرشوة والتحايل على القانون.
ويقول الحقوقي والناشط المدني علي العامري، “تحتاج قضية العنف الموجه ضد المرأة إلى ثورة حقوقية لتخليصها من الاعراف التي وصلت لا في المساواة الأطر النظرية فقط بل إلى تطبيق المساواة في العدالة الجنائية والإدارية وكفالة وجودها الإنساني والقانوني”.
وسجلت الأجهزة الأمنية في ذي قار والبصرة وميسان والمثنى، حالات قتل بشعة بحق النساء، تمثل أغلبها بالحرق أو الطعن أو الذبح والتمثيل بالجثة في بعض الأحيان لإخفاء اثار الجريمة، وتوزعت تلك الجرائم وفق مراكز استطلاع بين القتل طعننا أو ذبحا، أو الإنتحار، والاغتصاب في بعض الحالات ثم القتل، وآخرها الغرق.
ويرى الباحث النفسي، احمد الإمارة، ان “ضعف وغياب المؤسسات المتعلقة بالضبط الإجتماعي والرقابة،، وكذلك المواقف والنظرة التقليدية للمرأة في المجتمعات التي تكون فيها قوة القبيلة والأعراف حاضرة، ترى في المرأة ملك للرجل”.
وأوضح، بأن “الأزمات والمشاكل التي تحدث أمام الأزواج أو العائلة، قد تدفع في كثير من الأحيان إلى ارتكاب الجريمة في آخر الأمر”.
وأكد الإمارة، “هناك مسألة مهمة وهي الجانب القانوني، حيث ان العقوبات والأحكام التي تعلن ضد مرتكبي الجرائم البشعة تجاه النساء، غالبا ما نجدهم يتمتعون بأحكام بسيطة، واحيانا يكونون خارج السجن، بسبب ارتفاع منسوب الفساد والرشوة، وفساد القضاة الذين يتواطئون كثيرا مع الجناة”.
ويروي محامي عراقي، كيف يكون التحايل على القانون بسبب الرشوة والتي يكون فيها الجاني على الأغلب خارج القضبان، والتي مكنت بعد ذلك من خلق جيل قانوني فاسد، لا يعترف بالأخلاق المهنية ولا بأخذ الحق للمجني عليه.
ويقول المحامي أيمن الساعدي، في حديث لـ”هنا الجنوب”، ان “الصفقات والمساومات داخل المحاكم أمر اعتيادي ويجري وفق أصول معينة، فمثلا هناك محامون، يستطيعون إخراج قاتل أعترف بجريمته بشكل سهل، لكن وفق ظروف الجريمة يكون السعر، والتي تبدأ بالغالب ب20 ألف دولار وصاعدا”.
ويضيف الساعدي، ان “الترتيب يكون من خلال الإنفاق مع ضابط التحقيق ومع تغيير إفادة الجاني، ولصق التهمة بجاني آخر، ومن ثم عرضه على القاضي الذي يتم الإنفاق معه مسبقا، حتى يتم الحكم عليه بالبراءة، أو بالمؤبد اذا كان الحكم إعدام أو كانت القضية رأي عام أو فيها تعقيد من نوع ما”.
وتابع، “نادرا ما يحصل حكم بالإعدام لشخص قتل إمرأة مهما كانت نوع الجريمة سواء كانت غسل عار أو قضايا أخرى، في كثير من الأحيان، إما ان يخرج الجاني بكفالة أو يكون الحبس المشدد”.
ولا تقتصر الجريمة على النساء البالغات، فقد شهدت مدينة البصرة، قبل عامين، حادثة اغتصاب لطفلة تبلغ من العمر 8 سنوات، حيث تم إغتصابها وقتلها بشكل عنيف، فيما شهدت محافظة ذي قار قبل شهر، إغتصاب وقتل طفلة بعمر السبع سنوات في حي الفداء وسط الناصرية.
وترفض الجهات الأمنية والمحاكم والمؤسسات الصحية من إعطاء ارقام الجرائم بحق النساء، وتتحفظ عن تلك المعلومات وتعتبرها ذات أهمية ولا يمكن نشرها، بوسائل الإعلام، الأن مصادر طبية تؤكد ارتفاع حالات الجرائم، وأكد على أن وزارة الصحة تعاقب كل من يدلي بتصريح بشأن إرقام أي حوادث أو مشاكل تحصل سيما التي تتعلق بالنساء.