وطني.. إلى الوراء در

محمد السيد محسن
لست نادماً لأني عبرت عمّا يجول بخاطري ورفضت أن تتحول قبة البرلمان العراقي في أول جلسة لها إلى مهاترات طائفية تعود بِنَا إلى قضية لم يتوقف الجدل بها منذ أكثر من ألف وخمسمئة عام.
لكن ما يؤلمني أن بعض العراقيين ما زالوا لم يدركوا بعد الفارق الواضح بين الوطن من جهة والمذهب والدين من جهة أخرى.
الوطن أصل والبقية قرائن. وتمييع الحدود بين الوطن والدين والتداخل المريب الذي نعيشه يجعلنا أمام واجب كبير ربما لن نستطيع أن ننجح فيه إذا كان هناك من الزاحفين نحو النكوص يتكاثرون ويستنسخون المواقف ويقلدون يشكل أعمى.
هل نحن نعيش مرحلة الانحطاط؟
هل هي مسؤولية الحكام وأصحاب القرار؟
هل يعرف البعض إن الرجوع إلى الوراء بهذا الشكل يمثل سقوطا في هاوية سحيقة وربما سندفع ضريبة ما نحن فيه، لأن الوطن واحد والأديان والمذاهب شتّى، من حقك أن تختلف معي في الدين ولكننا يجب أن نعيش تحت سقف الوطن، ليس لدينا إِلَّا هذا الوطن.
إذا خرج احدهم من بلاده ما هو أول سؤال يواجهه؟
انه من أي بلد أنت؟.
وبعد أن يطمئن السائل يبدأ يفكك القرائن الأخرى فيسأل عن معتقدك وعن ثقافتك، وربما لن يحتاج لأي سؤال في حال فتح أي حديث بين اثنين.
علينا أن نفكر بشكل جدّي هل نحتاج لان نختلف في القضايا التي لم تحسم نتائجها منذ دهور مضت؟
ما يجري الْيَوْمَ في العراق أن نخباً سياسية تعتاش على عودة المواطن إلى الوراء كي لا يتقدم، وربما هو سعي خارجي كي تستمر الفوضى في العراق وان لا يقوم العراق قريباً، لذا نجدنا نعيش مرحلة ما ورائية ونستاء لأننا ما زلنا متخلفين ولا نتقدم خطوة للأمام.
نحن فعلاً بحاجة إلى مرحلة مراجعات ومراكز بحثية تقف بالضد من إشاعة العودة للوراء وعدم التفاخر بالماضي دون أن يدفعنا هذا التفاخر لبناء المستقبل وان نستطيع أن نتسامح بوازع وطني، وان نتعايش وفق منظومة الوطن ونترك المهاترات الطائفية وطرح الشروط لممارسة المواطنة، نحن نحتاج لان نتقدم من بَعضِنَا البعض وان نتسامى فوق بعض الخلافات الإعتقادية، كي لا نتحول إلى داعش بعد أن بذلنا الغالي والنفيس من اجل أن نتحرر منه.
وهناك إشكالية أخرى تفرز بعض التساؤلات ربما من أهمها : هل لدينا الإرادة لدراسة واقعنا الحالي بتجرد دون أن ننتمي للمذهب أو للمنطقة أو للعشيرة؟
ربما ستنحسر يوماً على جمع شملنا بعد أن ينخر بِنَا التفكك ولن نستطيع أن نجتمع تحت سقف واحد.
حين نستذكر الهزات التي عصفت بالعراق وبغداد بالذات نكتشف أن العراق كالعنقاء تنفض عنها غبار الموت وتعيد ديباجة الحياة بصيغ جديدة، بيد أننا نخشى هذه المرة على العراق لان الخطر أصبح يمس وجودنا كشعب، وهذه الخشية هي التي تستدعي المخلصين للوقوف بمسؤولية جادة وعدم الاعتماد على أصحاب القرار لان أجنداتهم ربما لا تتناسب مع طموح البناء الجاد للعراق كبلد وشعب.