الحكومة الأخيرة في تجربة ما بعد ٢٠٠٣

علي وجيه
ستكون حكومة عبد المهدي، أو بديله إن لم ينجح بتقديم كابينته خلال ما تبقى من الفترة الدستورية، هي الحكومة الأخيرة في تجربة ما بعد صدام، تجربة الإسلام السياسي الشيعي، والمعارضة السنية.
أوصل المتظاهرون في البصرة، وفي بغداد، الرسالة الواضحة للطبقة السياسية كلها، وهي: إن لم تخدم، لن يشفع لك شيء، لا حزبك، ولا شهداؤك، ولا التخويف من الجانب الآخر..
النضج المجتمعي والغضب من الطبقة السياسية كلها، أوصلت الرسائل بشكل واضح الى النجف وبغداد، وطهران وواشنطن ومحوريْهما، في أن لا نجاة لأي مصالح لأيّ كان، ولهذا تم اختيار شخصية مثل عبد المهدي، دون الرجوع لسياقات اختيار رئيس الوزراء ما قبل هذه الحكومة.
المجتمع الآن لا تقف أمام عينه كل السرديات والخطابات التي سيّرته منذ ٢٠٠٣، فما عاد الشيعيّ يخاف من عودة البعث بعد ان شاهد قادته يجلسون مع أشدّ قادة السنة تطرفاً، وما عاد السنيّ يخاف من “الفرس المجوس” بعد ان شاهد قادته يجلسون مع القيادات الشيعية المقربة من ايران، وعرف الكردي ان لا سبيل للاستقرار دون بغداد..
يأتي هذا النضج، بعد سنوات الكوارث العراقية منذ الحرب الأهلية ٢٠٠٦ حتى سقوط الموصل ومن ثم تحريرها، والسياسيون الآن أمام الاختبار الأخير..
رغم الآلية المريبة التي أتت بالحلبوسي، لكنه يبقى صوتاً سنياً غير طائفي، ومن الذين يحاولون العمل على موازنة الخطاب واعتداله بين الفرقاء السياسيين، ورغم الاعتراضات التي وُجّهت لبرهم صالح، الا انه ايضاً كفيل بأن يملأ مكان الرئيس الأسبق جلال طالباني، بوصفه قائداً رمزياً على مسافة واحدة من جميع المحاور..
اما عبد المهدي، فأمامه مهمة صعبة، تتجلى بتقديم واقع مغاير، لا يجعل منا سويسرا، لكنه على الأقل مسلح بترسانة من الأفكار الاقتصادية التي من الممكن ان توجّه العقل الاقتصادي السياسي العراقي الى مناطق أخرى، غير الاقتصاد الريعي الذي يجعل منا شعباً جالساً ويأكل ما يبيع، فحسب..
ان لم تقدم الحكومة خياراتٍ أفضل، ووضعاً يلمس المواطن تغيّره، فسنكون على موعد في الصيف المقبل، او الذي يليه، مع نهاية تجربة العملية السياسية ما بعد ٢٠٠٣، او زوال أغلبها، وستكون البداية من البصرة..
الحكومة الأصعب، حكومة التداخل الجراحي الخطر!