سايمون هندرسون: قضية خاشقجي قد تنهي الصداقة الأمريكية -السعودية

سايمون هندرسون*
قد يكون هذا الأسبوع مليئاً بالاضطرابات بالنسبة لسياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط والنفط. ففي الرد السعودي المسبق على التعليقات المتوقعة من الرئيس الأمريكي ترامب في برنامج “60 دقيقة” الذي بُثّ مساء الرابع عشر من تشرين الأول/أكتوبر، أصدرت المملكة بياناً قالت فيه إنها “ترفض أي تهديدات ومحاولات للنيل منها”. وكتبت “قناة العربية الإخبارية” تحذيراً تحريرياً ضمّ 30 إجراءً انتقامياً محتملاً ضد أي عقوبات أمريكية، من بينها “ارتفاع سعر برميل النفط إلى 100 دولار، أو ربما 200 دولار، وربما ضعف هذا الرقم”.
إن ما قاله الرئيس ترامب فعلاً، بشكل شبه ضمني في ردوده على أسئلة عدائية حول روسيا، وكوريا الشمالية، والصين وقضايا أخرى، هو أن المملكة قد تواجه “عقاباً قاسياً” إذا أكدت الولايات المتحدة أن الصحفي السعودي المنفي وكاتب عمود في صحيفة “واشنطن بوست” جمال خاشقجي قد قُتل داخل القنصلية السعودية في اسطنبول في 2 تشرين الأول/أكتوبر.
ويشير الرد السعودي إلى أن المملكة لا تفكر في خيار إلقاء اللوم على بعض العناصر المارقة في الأجهزة الأمنية السعودية التي وفقاً لما يدّعيه المسؤولون الأتراك قامت بتعذيب خاشقجي، وقتله، وتقطيع أوصاله، وتصوير أحداث هذه الفظيعة المروعة برمتها. ومع ذلك، تحدّث الرئيس ترامب مع الملك سلمان صباح الخامس عشر من تشرين الأول/أكتوبر وقال في وقت لاحق أن “قتلة مارقين” قد يكونوا مسؤولين عن اختفاء خاشقجي. وحيث لا توجد جثة (أو أي جزء من أجزاء جسم الضحية)، لا يزال الغموض يكتنف ما حدث لخاشقجي، إلا أن الكثيرون قد يعتبرون الرد السعودي بمثابة اعتراف بالذنب.
والأمر الثاني في استنتاج العديد من منتقدي المملكة هو أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، الذي هو شخص متسلط وعنيف، سيحل قريباً محل والده كملك أكبر دولة مصدرة للنفط في العالم، وزعيم العالم الإسلامي، بحكم موقع المدينتين المقدستين “مكة المكرمة” و”المدينة المنورة” في المملكة، على الرغم من أنه لا يبلغ من العمر سوى 33 عاماً.
وقد أرسل الرئيس ترامب وزير خارجيته مايك بومبيو إلى الرياض، مزوَّداً على ما يبدو بقائمة من التوصيات السياسية. بيد، يشكل احتمالات قبول الجانب السعودي لأي منها موضع جدل.
ويبدو أننا نودّع بريق على الأقل، إن لم يكن جوهر، خطط الأمير لـ «رؤية المملكة ٢٠٣٠» بشأن التحول الاقتصادي للمملكة. فقد بدأت تتداعى قائمة الحضور لـ المؤتمر الاستثماري، المقرر عقده بين 23 و 25 تشرين الأول/أكتوبر في الرياض، حيث انسحب “الرئيس التنفيذي” لبنك “جي بي مورجان” جيمس ديمون في نهاية الأسبوع المنصرم. ومن المحتمل أن ينسحب وزير المالية الأمريكي ستيف منوشين في أي وقت.
وقد تبقى الإصلاحات الاجتماعية مثل دور السينما والترفيه الحي سارية المفعول، وهو الأمر بالنسبة لـ قيادة النساء للسيارات. لكن يجب ألا ننسى أن العديد من الناشطات اللواتي روّجن لهذه الحملة الأخيرة يقبعن في السجن. ومن المفارقات المحرجة أن السعودية، هي نظرياً زعيمة التحالف العالمي ضد تنظيم «الدولة الإسلامية»، الجماعة المتطرفة التي تَميّز رعبها بتصوير عمليات تعذيب السجناء وإعدامهم.
كيف يمكننا جميعاً أن نكون مخطئين في آمالنا لمحمد بن سلمان؟ (ربما ليس جميعنا. فعندما حلّ بن سلمان محل سلفه من خلال حرمانه من النوم ومن تناول داء السكري، كتبتُ في العام الماضي، “قد تكون قساوته أكبر مصادر قوته، أو نقاط ضعفه”. وذكرتُ “قصة الرصاصة” مثالاً على ذلك، عندما وضع رصاصة على مكتب مسؤول حكومي لم يرغب في التوقيع على إحدى الصفقات التجارية للأمير الشاب.)
وحتى قبل أسبوعين، كان المسؤولون الغربيون يستطيعون تبرير الاستبداد المحلي الذي يمارسه محمد بن سلمان، وفعلوا ذلك من خلال الإشارة إلى إعادة ترتيبه الظاهر للإسلام السعودي على أنه معتدل عوضاً عن النسخة المتطرفة التي أنتجت، من خلال التعليم الديني غير المسؤول والتبرعات الخيرية، أحداث 11 أيلول/سبتمبر وتنظيم «الدولة الإسلامية».
لكن اختفاء خاشقجي يشير إلى أنه قد تم إغواؤنا بالكلام السلس لحاشيته وأعوانه الذين يرددون ما تقوله شركات العلاقات العامة. وحتى الأمين العام لـ “رابطة العالم الإسلامي”، الشيخ د. محمد العيسى، الذي استضاف هذا الشهر مؤتمراً حول “التقارب الثقافي بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي” في مدينة نيويورك، أصدر في الرابع عشر من تشرين الأول/أكتوبر بياناً داعماً لولي العهد الأمير محمد بن سلمان: “أن ما تتعرض له المملكة لا يستهدف استقرارها فقط بل يتجاوز إلى تهديد الاستقرار الدولي”. سيتعين علينا أن نرى ما إذا كانت فكرة المؤتمر بتسيير «قافلة رُسلِ سلام»، تضم قادة مسلمين ومسيحيين ويهود إلى القدس، ستكتسب أي زخم.
سوف تخبركم “الأيدي المتمرسة” بأن أفضل طريقة [لتحقيق تقدم في مجال ما هو المساهمة في الجهود] الدبلوماسية سراً، لكننا نعيش في عالم “التويتر”، وملخصات المقابلات التلفزيونية والبيانات العلنية، حيث يجري التسرع بإطلاق بعض التصريحات، كما حدث في الرابع عشر من تشرين الأول/أكتوبر عندما أعلنت المملكة تحدياً لا هوادة فيه وألمحت إلى تدابير من شأنها أن تضر بالاقتصاد الأمريكي أكثر بكثير من إضرارها بالاقتصاد السعودي.
وفي الخامس عشر من تشرين الأول/أكتوبر نُشر تقرير بأن السعوديين سيسمحون أخيراً للمحققين الأتراك بالدخول إلى قنصلية المملكة في اسطنبول. وإذا توفي خاشقجي هناك، فسيكون قد تم حالياً إخفاء جميع الدلائل. وربما يكون لغز اختفاء جمال خاشقجي قد فات أوانه.
لقد اعتزمت السفارة السعودية في واشنطن استضافة احتفالاتها باليوم الوطني يوم الخميس القادم. والسؤال الذي طرح نفسه هو، هل سيكون السفير المضيف الأمير خالد بن سلمان، شقيق الأمير محمد بن سلمان، موجوداً أم سيبقى في الرياض، حيث أرسله البيت الأبيض للعثور على أجابات لمخاوف الولايات المتحدة؟ والغريب في الأمر، كنتُ مدعواً لهذا الحفل، ولكن لم أكن أنوي الذهاب، وتساءلتُ عن عدد الاًناس الرائعون والطيبون في واشنطن الذين لن يحضروا الحفل أيضاً – إلى أن ألغت السفارة هذه الأمسية.

*سايمون هندرسون هو زميل “بيكر” ومدير “برنامج برنستاين لشؤون الخليج وسياسة الطاقة” في معهد واشنطن.