حسقيل قوجمان

محمد السيد محسن
في مقبرة بشمال لندن شاركت يوم الأحد المنصرم بتشييع مناضل عراقي كبير اسمه حسقيل قوجمان، واسمه يشير الى انه يهودي، وهو عراقي حدَّ العظم، انضم الى الحزب الشيوعي العراقي وشارك في انتفاضة الجسر “وثبة كانون” عام ١٩٤٨، وكان حسقيل يمسك بيد قيس الآلوسي احد شهداء الجسر حين اخترقت جسده رصاصة.
وتعد انتفاضة الجسر من الاحداث المهمة في تاريخ العراق الحديث حيث كانت مظاهرة كبرى احتجاجاً على معاهدة “بورتسموث” وفي تلك المظاهرة استشهد أيضاً “جعفر” شقيق شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري، الذي خلده بقصيدة:
أتعلم أنت أم لا تعلم
بأن جراح الضحايا فم
وكان حسقيل من ضمن الشباب الذين سيقوا الى السجن. وتحدث عن تلك الأيام حيث صنع عوداً من الخشب بأوتار مهربة من قبل سجان من أهل الكاظمية، بهذا العود كان يغني مع رفاقه، وفي السجن أيضاً شاهد يوسف سلمان يوسف “فهد” وهو يذهب الى حبل المشنقة مع رفيقيه حسين محمد الشبيبي وزكي بسيم حيث اعدموا عام ١٩٤٩.
ولأنّه “يهودي” تم ابعاده قسراً من وطنه العراق الى فلسطين المحتلة حيث “إسرائيل” وبقي هناك أياماً قلائل ليذهب الى لندن لأنّه كان رافضاً لقيام دولة باسم إسرائيل ويقف مع الحق الفلسطيني.
بقي حسقيل في لندن الى وفاته قبل أيام وقد بلغ من العمر قرناً الّا عامين، كان زاده الذاكرة المعجونة بالحنين الى العراق، يدوّن ذكرياته وإبداعات أبنائه في كتب مشهودة له حيث دوّن المقام العراقي والأغاني العراقية القديمة. وكتب في النظرية الاشتراكية التي كان مؤمناً بها.
بقي حسقيل يتابع عن بُعد ما يجري في بلاده العراق. ونقل بعض الأصدقاء عنه قوله عام ٢٠٠٣ بعد الاحتلال الأمريكي للعراق: الآن بدأ الخراب الحقيقي للعراق.
كان حسقيل يؤمن أن العراق بعد ٢٠٠٣ سيختلف جذرياً عما قبله.
قضية حسقيل قوجمان يجب أن نتوقف عندها حيث أن هذا الرجل الذي تعرض للسجن وللتعذيب قبل أن تتأسس كل الأحزاب التي تقود عراق ما بعد ٢٠٠٣ لم يطالب بخدمة “جهادية”، ولم يعط له حقه بالتكريم والاحتضان، ربما لأنه عراقي يهودي.
وعلينا إذن أنْ نسأل أنفسنا سؤالاً مهماً: هل نحن في دولة وطنية أم دينية؟
علينا ان نجذّر مفهوم الوطنية وفق مصاديقها ولا نتجاوز القياس الوطني وهل ستكون له الأولوية أم للدين؟
وما هي حدود الدين؟
ومن يستوعب الآخر في بقعة العراق الوطن أم الدين؟
هذه أسئلة الوطن.. والعراق وراء القصد.