في الواقع اننا نميل دائما الى رفض شهادة المرآة ! وقد يكون السبب في ذلك ان هناك ضربا من البون بين (المعطيات البيولوجية ) الماثلة لدينا بالفعل من جهة والوعي المتوافر لدينا عنها من جهة اخرى. ومعنى هذا اننا قد نرفض شهادة المرآة. لاننا نشعر بهويتنا عبر تجاربنا الوجودية السابقة فيخيل الينا اننا ما نزال ذلك الشاب القوي المتوثب الذي عرفناه في مرحلة سابقة من مراحل العمر، وكأن من شأن الشعور بالهوية ان يجعلنا نرى انفسنا عبر الذاكرة لا المرآة !

وربما كان من بعض افضال الله على البشر انه جعلهم لا يرون انفسهم كما يرون الاخرين، او كما يراهم الاخرون ! فنحن نرى علامات الشيخوخة ترتسم على وجوه الاخرين بينما لا يخطر على بالنا انهم هم ايضا يلمحون على وجوهنا تلك الخطوط العميقة الغائرة التي خلفها الزمان ! وقد تشاء الظروف ان يلتقي المرء بعد غياب طويل برفيق من رفاق الصبا، فاذا به لا يكاد يصدق ان هذا الشيخ الذي جلل الشيب راسه هو ذلك الشاب المتوثب الذي كان وجهه يفيض حيوية وانطلاقا.

وقد نعود الى المرآة نتلمس لديها الاجابة على هذا السؤال المرير : ( أترانا نحن ايضا قد تجاوزنا ربيع العمر ؟ ) ولكننا في معظم الاحيان قلما نفهم لغة المرآة. او على الاصح قلما نجد في نفوسنا استعدادا لفهم تلك اللغة — وقد نميل الى التفرقة بين (شباب الشيوخ)

فنعزي انفسنا باننا حتى اذا كنا قد تجاوزنا فترة الشباب فاننا مع ذلك ندخل في عداد (شباب الشيوخ) ونطرب لقول القائل بان ( العمر الحقيقي للأنسان انما هو العمر الذي تشهد به (عروقه) لا العمر الذي سجلته شهادة الميلاد.

* مقتبس من كتاب مشكلات الحياة لمؤلفه د. زكريا ابراهيم، استاذ علم الفلسفة في جامعة القاهرة.