الذباب الالكتروني ــــــــ محمد السيد محسن

محمد السيد محسن
أشار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في حديثه أمام البرلمان إلى ضرورة إقرار قوانين جديدة تتعامل مع الأخبار الكاذبة التي تروج من قبل جهات وعبر أشخاص معينين.
وقال ماكرون إن الجهاز القضائي يجب أن يطور من آلياته لحماية الحياة الديمقراطية.
حينما قرأت الخبر في مهد الديمقراطية الأوربية فرنسا أحسست بالانحناء القسري في ذهني حين تذكرت العراق وما يعاني منه من جيوش الكترونية وظيفتها نشر أخبار ملفقة لغرض تسقيط شخصيات بعينها، تتنامى أيام التدافع السياسي للانتخابات أو المناصب.
والمثير بالأمر إننا سبقنا الفرنسيين في إقرار قوانين حماية من أخبار ملفقة، جاءت كلها بصورة مستعجلة كي تحصن الطبقة السياسية نفسها من استهدافها من قبل آخرين، بل إن القضاء العراقي أحيانًا يدخل في قضايا نشر أخبار الكترونية تتعلق بشخصية ما من أصحاب القرار وبدأنا نسمع عن قضايا نشر تؤدي إلى دعاوى قضائية اشتهر بها بعض السياسيين وأصحاب القرار ودائمًا ضحايا هذه الدعاوى من أبناء مهنة الصحافة، وأحياناً من الموظفين البسطاء الذين أرادوا التنفيس عن أنفسهم والتفكير بصوتٍ عالٍ حيث يتم استهدافهم من قبل رؤساء دوائرهم فتشملهم قرارات عزل أو إيقاف أو ما شابه ذلك.
وبدلًا من أن يستعين القضاء قبل إصدار قراراته بالجهد الأمني لتحديد مصادر الأخبار ونياتها المبيتة ترى إن هذه الأحكام يتم تنفيذها اعتمادًا على تأويلات وهوامش مضافة لبعض القوانين لغرض إسقاطها على قضايا عدة.
لا بدَّ أن نقارن وضعنا مع الوضع الأخر من الدول الناجحة، حيث أن الرئيس الفرنسي دعا السلطة القضائية لتطوير آلياتها القانونية أي إنه يدعو إلى دراسة جدوى ولم يطلب قوانين جاهزة لتنفيذها كي لا يستهدفه أحد من الفرنسيين ويتحدث عن علاقته مع زوجته بريجيت التي تكبره بخمس عشرة سنة! ، بل أن ماكرون دعا إلى ورشة عمل قد تطول إلى سنوات حتى تصل إلى قوانين تحافظ على الحياة الديمقراطية في بلاده، ومن المؤمل أن يتم نقل هذه التجربة إلى بلدان أخرى.
كذلك فعل الرئيس المصري الذي بدأ يزعجه طنين الذباب الالكتروني، فأوصى برلمان بلاده بإصدار قوانين تعنى بحريات النشر وتتعامل مع الأخبار الكاذبة والتقارير الملفقة، لكنه لم يهمل الجانب الاستخباري في ضرورة التقصي عن حيثيات قضايا النشر ومصادرها وأهدافها.
لمَ الاستعجال إذن في العراق والتصرف وفق منظومة قوانين مستعجلة وإضافة هوامش إلى قوانين تتعلق بالنشر وحريته وتحويل بعض مضامينها إلى مواقع التواصل الاجتماعي ليتم البت بها في قضايا نشر ترفع من قبل متنفذين في الواقع السياسي أو الإداري فيما تكون ضحيتها دائمًا من أبناء مهنة الصحافة؟
ألم ينهل الجسد القانوني العراقي من المنظومة الإنكلو سكسونية، والفرانكفونية؟ وحتى السادة المؤسسين للدستور العراقي كانوا من طلبة كليات القانون في بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا، فلماذا لا يتم الدعوة إلى ورشة عمل قضائية كبرى للتعامل مع الأخبار الكاذبة والملفقة التي يعكف على نشرها الذباب الالكتروني التابع لأصحاب القرار في العراق؟
أعتقد إن المسألة يجب أنْ تحل بتعاضد الجهود ما بين السلطات الأمنية والسلطات القضائية ومعرفة العلاقة ما بين ناشري هذه الأخبار وأعشاش الدبابير التي تتواجد في مكاتب كثير من أصحاب القرار.