سنة جديدة وأمنيات قديمة…علاء كولي

علاء كولي

بصراحة جدا، يمكن لأي فرد عراقي أن يجيب بكل بساطة وأريحية كيف ستكون أحلامه وأمنياته، في العام المقبل، سيقول، بأنه ينتظر أن تتحقق أمنياته في السنة الماضية مثل هذا الوقت، وربما في السنة التي قبلها، وهذا ما يجعل في هذه التفاصيل الصغيرة مجرد كوميديا سوداء مضحكة مبكية، عن تحقيق الأحلام والأمنيات في العراق، ما بعد الخراب.

في كل هذه الأوضاع المقلوبة والأزمات النفسية والاجتماعية والأخلاقية والسياسية التي تحيط بنا، ما الذي يمكن أن نفعله حينما نفقد تركيزنا في ابقاء الأمور بنصابها الصحيح، دون ان تنساب وتسبب ضررا كبيرا في حياتنا، أو على الأقل محاولة العيش بكرامة مثل باقي سكان الكوكب، نحظى بفرصة جيدة من الخدمات، ونسعى للبناء وليس للنهب.

مرت سنة كاملة، بلحظاتها وساعاتها وأيامها وأشهرها، دون تغيير واضح يذكر في أي شيء، وعلى كافة المستويات المتوقعة، حتى الذين يتوقعون أشياء إيجابية، توقفوا أيضا، بعد اليأس والإحباط الذي حصل معهم طوال سنوات، حينما تتكرر الأيام عليهم دون تغيير ملحوظ ولو على شيء يذكر.

ما الذي تحقق في سنة مرت علينا، سوى أننا نعد أيامنا بحذر، بدون القفز على أي شيء، فهناك ألغام في كل مكان، في الشوارع وفي رؤوس الناس أيضا، بعد ان تحولت الكثير من القيم الى شعار لا أكثر وارتفاع واضح في منسوب مشاريع النصب والإحتيال، بالمقابل إنخفاض كبير في مشاريع البنى التحتية او الأخلاقية.

أزعم بأن الإنجاز الحقيقي الوحيد في العراق، الذي يمكن لأحدهم أن يحققه مع نهاية هذا العام، هو بقائه على قيد الحياة بسلام، رغم الانخفاض الواضح في منسوب الطموحات والأحلام والآمال والسعادة، والإكتفاء بكوننا كائنات حية تمشي وتأكل وتتكرش، ولكن شريطة ان لا تفكر، التفكير الزائد عن الحاجة يؤذي مناطق كثيرة في الجسد ويؤذي جهات أخرى لا تريد منك ذلك، حينما تسعى لأن تقتحم منطقتها بتفكيرك.

وتبدو الحياة هنا بتفاصيلها، لا جديد فيها، سوى أن ما يمر هو الوقت لا أكثر، هناك تلعثم وإنهيار كبير في المنظومة الأخلاقية والإنسانية في بلادنا، وإنهيار واسع في كافة القطاعات، ويمكن القول لمن يأمل بشيء جيد بأن في نهاية النفق ثمة نفق اخر، لا ضوء ولا متسع من الحرية.

ستأتي سنة جديدة، ولكنها محملة بالإحلام والأمنيات القديمة، التي حملها المواطنون هنا في هذه البلاد، وهم يأملون بحياة جيدة على أقل تقدير، سنة مثقلة بالالالم والأحزان بنفس اللحظة، كل ما نتمناه منذ عشرات السنين، هو السلام والأمان والحياة الكريمة، لكن كل ذلك لم يتحقق. وأقتصرت هذه الأشياء الثلاثة على فئة محددة تملك النفوذ والسلطة والقوة أيضا.

ما الجديد في هذه السنة ان كنا نؤمن بوطن خالي من مشاهد العنف والموت والطائفية، وإبعاد أفكار الناس عن التفكير الشمولي الذي يرى في نفسه هو الاصلح والأبقى، متى يمكن ان نعودهم على فكرة وجود اخرين مثلهم لكنهم يختلفون عنهم في تفاصيل أخرى ويشتركون معهم بوطن واحد يجمعهم ويتحمل هذه الاختلافات.

هل سنرى سنة جديدة، لا تحمل أمنيات قديمة لنا، نحن الذين، لا مسمى لهم، الحالمون بوطن حقيقي يستوعب الجميع، ويدعم مشاريع الناس هنا على أساس المواطنة وليس المكون أو المذهب أو الدين، بل الاحتفاظ بكل هذه بعيدا عن المشروع الأكبر وهو الوطن.

هل سنأمل بسنة جديدة، ليس فيها أحداث “أكشن”، أو صراعات جانبية، تعطل مصالح الناس، بسبب تضارب في المصالح الخاصة، هل سنأمل بسنة جديدة، يتوقف المشهد السياسي عن مد بساطه الى كافة قطاعات الحياة في هذه البلاد، ويمكننا أن نرى أننا في بلاد وادي الرافدين، وليس بلاد “وادي الحرامية”، الجواب على كل ذلك بالتأكيد، ..”كلا”.