الرئيسية » مقالات » ما الذي يَبقَى من صحافة الورق؟ – عدنان أبوزيد

ما الذي يَبقَى من صحافة الورق؟ – عدنان أبوزيد

عدنان أبو زيد
لا يزال الكثير من الكتّاب والصحافيين، يفضّل النشر في صحيفة ورقية، معتبرا ظهور نصّه في نسخة رقمية، “لا قيمة” له، وهو اعتقاد ناجم عن “عقدة صعوبة النشر” في الأزمنة الماضية، ولايزال يسيطر على أولئك الذين لم يستوعبوا الى الآن، انّ الصحافة الورقية نفسها، قد تغّيرت، وانها توائم نفسها لتصمد أمام التحديات الرقمية، خشية الانقراض.

ولأنها بدأت “تناسب” آلياتها ومضامينها مع العصر، فانّ الصحافة الورقية، سوف تكسب الرهان، حيث الراصد للتحولات، يرى انها توافق نفسها مع المستقبل الرقمي، فلم يعد رؤساء تحرير الصحف الورقية، يحتكرون الوصول الى القارئ على الورق والمحتوى الجامد، بل يسعون الى تأكيد الحضور عبر آليات متطورة، تتجاوز النصوص والصور، الى المضامين التفاعلية. ويمكن متابعة مواقع الصحف العالمية على النت، لإدراك كيف إنها تخطّت القوالب التقليدية، وتمكّنت من الصمود، بل والتفوق، في وقت كان يتوقع فيه، كثيرون، انحسارها، إنْ لم يكن انقراضها.

لعل ذلك يذكّرنا بالكثير من المخترعات والابتكارات، الأحدث، التي ما ان يتداولها الناس حتى يٌظَنّ إنّ ما قبلها سوف يندثر، لكن الراديو بقي الى جانب التلفاز، والمسرح، ظل ينافس السينما، بل وتفوق عليها في القدرة على الجذب الجماهيري، في بعض الأحيان.

يُعتقد انّ الصحافة التقليدية بدأت تطوّر نفسها، بعدما افتُرِض انها سوف تموت. وإذا تمعنّا في الصحف العالمية المعروفة، تجد انها بدأت تحرز حضورا لافتا في العالم الرقمي، على رغم بقاء نسخها الورقية متداولة، ولو بنسبة أقل.
عوّلت هذه الصحف على التقنيات التفاعلية، وفتحت لها نوافذ مرئية لتتحول الى ما يشبه التلفاز، واستعدت الى المزيد من الأطر التفاعلية مع دخول تقنية 5G، الى الحد الذي أضحت فيه تباري القنوات الفضائية.
وأنتج التفاعل بين الصحافة ومواقع التواصل الاجتماعي، حضورا أكبر للصحف الكبرى. والى جانب صفحات “بي دي اف”، التي هي نسخة رقمية للورق، هناك النوافذ المسموعة والمنظورة في موقع الصحيفة المعيّنة.

موقع “فيز” العلمي، يفيد بأنّ الإعلام يعكف على تغيّرات عميقة تتأقلم مع الذكاء الصناعي، وسوف تكون المعلومة الصوتية الى جانب المنظورة، بالتزاوج مع النص، هي الرهان الذي تعول عليه المؤسسات الإعلامية بحلول 2023.

الروبوتات سوف تكتب المقالات، بالتنسيق مع المحرّرين، فيما بدأت الصحف الكبرى تستعد لاستيعاب دور طائرات الدرون (من دون طيار)، لتصوير الاحداث في لحظتها، وبثّها من موقع الحدث الى موقع الصحيفة الرقمي، تماما مثلما تفعل مواقع التواصل اليوم، لكن بنمط صحافي أكثر مهنية، فيما الطائرات نفسها توصِل نسخ الصحف الورقية لمن يريد.

ولكي لا نغرق في الأمل كثيرا، فان لصحافة المستقبل التفاعلية الرقمية، تداعياتها السلبية، فمثلما تورطت الصحافة التقليدية بشكل واضح في المعارك السياسية، واستُخدمت كأداة فعالة فيها، فانّ لا مفرّ أمام الصحافة الجديدة في التورط أيضا في الحرب الالكترونية العصرية، بل وستكون مساهِمة في معارك التدخل في السيادة الوطنية للدول، والتورط في أعمال التجسس، والاضطرار أيضا الى التعامل مع الهكرز، فضلا عن تعرّضها الى الهجمات الرقمية المقابلة التي تسعى الى تحييدها، باعتبارها مصدر مهم في شبكة المعلومات، لأية دولة.

بهذا الانقلابات في الآليات والمضامين، فان الصحافة كمهنة لن تنقرض، لكن ديباجاتها تتغير، والمتوقع انها سوف ترسم حدود السيادة، بين الدول.

الصحف التي عزّزت وجودها في مجموعات التراسل الفوري، وفي مواقع التواصل الاجتماعي، يُأمل منها، تعزيز حضورها في موقعها الرقمي، في الانتقال السريع الى طرائق متفاعلة مع القارئ، وأنْ تكثف من نوافذها المرئية والمسموعة، ما يضعها من جديد في موقع الريادة.