شريط الاخبار
الرئيسية » اخبار محلية » الحياة على الجدران.. شباب الناصرية يزيلون السواد والركام عن وجه المدينة الحزين

الحياة على الجدران.. شباب الناصرية يزيلون السواد والركام عن وجه المدينة الحزين

هنا الجنوب – حيدر اليعقوبي
يبدأ علي كاظم ببرد قلمه الرصاص والتخطيط على مقتربات جسر النصر وسط الناصرية أبعاد لوحته التي سترى النور بعد ساعات وتصبح من أشهر اللوحات التي رسمت خلال التظاهرات في العراق.
“هناك من لا يستحق مسك الفرشاة للرسم يزاحم الشباب الموهوبين ويأخذ فرصهم.. إنهم إنتهازيون” يقول كاظم وقد بدأت قسمات وجهه بالامتعاض وبانت خطوط تجاعيد جبهته المعبرة عن عدم الرضا.
كاظم الذي لم يتعدى ربيعه الثاني والعشرين وجد فرصته المناسبة لرسم ملامح الفوز الذي حققه المنتخب العراقي على نظيره الإيراني في التصفيات المؤهلة لكأس آسيا ومونديال 2022 من خلال رسم لوحة للاعب صفاء هادي وهو يرتدي الكمامة “إنه جزء من رد الجميل لتعاطفه مع المتظاهرين”.
يقول كاظم أن أغلب الرسامين المتطوعين هم عاطلون عن العمل “بعضنا كان يتظاهر في ساحة الحبوبي. عندما تشوّه وجه المدينة بالحرائق شعرنا بمسؤوليتنا تجاهها.. نبدأ بإزالة السواد من الصباح ونستمر بالعمل على مصابيح الهواتف في المساء” يتحدث بحماس.
يبتعد كاظم عن لوحته قليلاً واضعاً قلمه الرصاص بين أذنه وفروة شعره.. ينظر بتمعن للخطوط التي رسمها ويقارنها بأبعاد الصورة الأصلية على هاتفه المحمول.. وعلى بُعد عشرة أمتار من يمينه يضع كرار أحمد لمساته الأخيرة على لوحته.. يجلس القرفصاء ويضع فرشاته في نصف قارورة مياه معدنية مملوءة بالأصباغ، ويخلع قفّازه الأيمن.. يتأفف: “إنتهيت”.

“سأبدأ بالتغيير من لوحتي هذه” يقول أحمد الذي أصبح مؤهلاً للمشاركة بالانتخابات العراقية قبل أيام وفقًا للدستور الذي يطالب بتعديله مع إبقاء السن الأدنى لحق الانتخاب بسن الثامنة عشر.
يجلس أحمد على الرصيف الأسود ويمد ساقيه ويخلع قفازه الأيسر ويضع كفيه على ركبتيه: “لقد أتعبني الجدار، لم أستطع إزالة اللون الأسود الملتصق به من دخان الإطارات المشتعلة بسهولة، غسلته عدة مرات قبل طلائه بالطبقة الأساسية البيضاء”.
يستوحي أحمد لوحته من مشهد مؤلم لرجل كهل يتعرض للضرب من قبل قوات مكافحة الشغب في بغداد ويسقط أرضًا لكنه يبقى مصرّاً على رفع علم العراق بيده متجاهلاً ألمه “اقشعر جسدي وأنا أُشاهد المقطع المصوَّر كان يتألَّم لكنه أبى أن تلمس الأرض ذلك العلم” قالها بوجه معبّر.

يأمل أحمد بإكمال دراسته الثانوية والدخول لكلية الفنون الجميلة في مدينة مليئة بلوحات الجمال “أتمنى أن لا يُحرق إطار بالقرب من لوحتي”.
انتهى كاظم من وضع اللون الأخضر على قميص اللاعب في لوحته، كان يمزج الأصباغ ويتفحص لونها الجديد في لوح خشبي موضوع على الأرض، وعلى الجانب الآخر من الجسر يرسم ضرار حيدر لوحته الرابعة بطريقة “الجرافيك” التي يُستخدم فيها اللونين الأبيض والأسود فقط.
“لا تهتم” يُجيب حيدر الصباغ الذي يقوم بطلاء السياج الحديدي في أعلى الجسر وهو يعتذر لسقوط بضع قطرات من الصبغ الأخضر سهوًا على لوحته، يُشعل سيجارته ويكمل “لقد تشوهت اللوحة لكن لا بأس، سأُصلحها نحن نشترك بهدف واحد وهو الإصلاح”.
يتحدث حيدر الشاب العشريني وهو يرتدي معطف طبي عن تقسيم وقته بين دوامه في المستشفى كمساعد مختبر وبين مشاركته في الرسم على الجدران: “أعود للمنزل لأرتدي ملابس العمل وأحمل فرشاتي وألواني وأتوجه لجسر النصر، رسالتي هي الحب السلام ولذلك استبدلتُ القنبلة الدخانية بباقة ورد في لوحتي هذه، وأشار لها بإصبعه، توقفت سيارة “تكسي” وأخرج السائق رأسه من النافذة وقاطعه: “كواهم الله الشباب”.
يعود حيدر لحديثه عن لوحاته: “بعض اللوحات من بنات أفكاري والبعض الآخر أستعين بها من اللوحات المنتشرة بعد ثورات الربيع العربي مع إضفاء بعض التعديلات، وبعد أحداث العنف التي شهدتها مدينة الناصرية رُسمت صورة غير مقبولة عن المدينة صورة عنف وإرهاب، نحن هنا لتغييرها”.

تنزل منار الزيدي ووالدتها من السيارة وبيد كل منهما “كيس نايلون”.. تتوجه أم منار التي ترتدي العباءة الإسلامية للرسامين وتوزع عليهم الحلوى وقناني المياه، فيما تسير منار تجاه جدار بستان في الجهة المقابلة للوحات حيدر وتتبادل التحايا مع أصدقائها الرسامين الذين تعرفت عليهم عبر “الانستغرام”.
“الحمد لله.. لم يأخذ أحدًا مساحتي”، تقول منار وهي تُخرج أدواتها وتبدأ بالرسم على مساحة صغيرة من الجدار كَتبتْ عليها في وقت سابق “محجوز”.
تصف منار الرسم على الجدران بـ”الرسائل الصامتة” وتقول “لسنا ثوريون فحسب بل موهوبون أيضًا، المشكلات التي يعاني منها العراق لم تقتل الإبداع فينا، سنملأ الناصرية بالألوان حتى يعرف العالم بأننا أحياء وننشر السلام”.

الموافقات الحكومية للرسم على الجدران تتطلب عدة أسابيع، وهي عادةً ما تُجابه بالرفض إذا طلبها “شاب” بمقتبل العمر. يقول كاظم “سأُريهم ما فعله الشباب بهذه الجدران التالفة، لكنني أخشى من تشوّه وجه المدينة برسومات لا معنى لها”.
ما يزال القلم الرصاص موضوع خلف أذن كاظم.. يُخرج هاتفه لإلقاء نظرة مقارنة أخيرة مع الصورة الأصلية، بالكاد تساعده أصابعه الملطخة بالألوان على تحريك الشاشة اللوحية، يبتعد قليلاً إلى الوراء عاقداً حاجبيه وينظر للوحته ويتحدث بصوت خافت مع نفسه أو مع اللوحة التي وضع فيها الروح، ثم يبتسم.
يقترب من اللوحة حاملاً سلَّم حديدي ليتسلَّقه ويضع على لوحته طبقة خفيفة من مادة “الوارنيش” العازل للرطوبة.. يتحدث متفاخرًا بين زملائه الرسامين الذين أبدوا إعجابهم باللوحة: “بشرفي آني فنان عظيم”.

المصدر: المنصة