الرئيسية » مقالات » طلايب واتسابية

طلايب واتسابية

وكالة هنا الجنوب العراقية / علاء هادي الحطاب

باتت وسائط التواصل الاجتماعي بشكل عام وكروبات الواتساب بشكل خاص، المساحة الافضل والاكثر التي يتواجد فيها المثقفون والنخب من صحفيين وسياسيين وفنانين ورياضيين واكاديميين وموظفين حكوميين بدرجات رفيعة ونواب برلمان وقادة رأي عام، وباتت هذه الكروبات توفر مادة اخبارية من نشاطات ومواقف واحداث بشكل سريع تسبق شاشات التلفاز ووكالات الانباء ومنصات الفيس بوك وتويتر وغيرها من تلك الوسائط لسهولة النشر وسرعة الانتشار وهو ما يبحث عنه ناشر الخبر او المعلومة.  ومع كل حدث استثنائي يحدث في البلاد تعج هذه الكروبات باختلاف الآراء بشأن هذا الحدث، وربما يكون هذا الاختلاف محموداً في بعضه اذ انه يبين للمتلقي حقيقة الحدث وبياناته ومعلوماته بعد تقاطع اختلاف الآراء بشأنه، لكنه في الوقت نفسه يفرز صراعا ايديولوجيا غير محمود كثيرا ما يتحول الى معارك واتسابية بين طرفين يرتفع صراخهما داخل المجموعة كلٌ يدافع عن وجهة نظره باتهام الآخر لا من خلال توضيح الحقيقة حتى ينتهي الامر بالسباب والشتائم المتبادلة التي يتحمل قراءتها ومتابعتها بقية اعضاء الكروب على مضض او “فرجة مجانية” الامر الذي يتطلب اغلاق المجموعة مؤقتا من قبل المشرفين عليها ولسان حالهم يردد “ما ردنه الطلايب بس تجي گوه». الامر يمكن قبوله اذ كان الحدث او الموقف المُختَلف بشأنه حدثا سياسيا او اقتصاديا او اجتماعيا او دينيا او ثقافيا او غيره، لكن ان نختلف و”نتناگر” فيما بيننا ودماء ابنائنا لم تجف على ارض الانفجار فهذا “قيح” لا يمكن قبوله من اي احد، ففي الانفجار الاخير الذي وقع في ساحة الطيران تحولت اغلب كروبات الواتساب الى حلبة صراع فيمن نفذ هذا الهجوم الارهابي وكلٌ يحاول توجيه الانظار عمن يختلف معه وبالمقابل يناكفه الاخر بذلك، حتى بعد ان تبنى تنظيم داعش الارهابي هذه الجريمة، بل ذهب بعضنا للبحث في اسماء وعناوين ومذهب الشهيد، واختلف بعضهم بذلك كثيرا من دون ان يترحموا على الشهداء او يساهموا بصناعة رأي عام رافض ومستنكر لهذه الجريمة او على الاقل مواساة ذوي الشهداء بكلمات او مواقف تخفف جراحاتهم. التشنج و”الطلايب” في هذه المجموعات وغيرها في منصات الفيس بوك وتويتر باتت وسيلة لبث الكراهية والبغضاء وصناعة الخلاف والاختلاف في امة لا تزال تعاني من موروث موغل بالخلاف والصراع الاجتماعي والمذهبي ولا يحتاج الامر الا الى اثارة صغيرة هنا وهناك لاستعادة الصراع في جميع مفاصل المجتمع ومفردات حياته، واوجدت تلك المنصات بيئة جيدة لتلك الاثارات التي تزيد يوما بعد يوم من تلك “الطلايب” على اختلاف مسمياتها. دور النخبة هو اذكاء “فعل الخير” بكل تمظهراته لا اذكاء الانقسام والكراهية وكل افعال السوء والشر، لكن ما يحصل اليوم مع الاسف هو انسحاب تلك النخبة عن قصد او دونه الى اذكاء افعال السوء والخوض فيها وسيطرة الايديولوجيات على افكارهم وكتاباتهم بشكل بات يخرج عن المألوف او المسموح او المتوقع منهم، وقد تحولت كثير من تلك المنصات الى مقاه “يتعارك” فيها خصوم ويتفرج فيها اخرون، بل ان بعضهم وجد ذلك عملا يسترزق منه. نحتاج الى مراجعة نخبوية حقيقية في طبيعة الدور الذي يجب ان تؤديه النخبة في وسائط التواصل الاجتماعي بعّد هذه الوسائط الوسيلة ربما الوحيدة لبث الافكار والنقاش بشأنها وتوجيه الرأي العام فيجب استثمارها بشكل يؤدي الى “ فعل الخير لا الشر».