الرئيسية » مقالات » شهادات من دون رصيد!

شهادات من دون رصيد!

وكالة هنا الجنوب الاخبارية /  د. محمد فلحي

تظاهرات حملة الشهادات العليا تواصلت منذ سنوات عدة، من دون وجود معالجات حقيقية لتوفير فرص العمل والوظائف، في ظل وضع اقتصادي صعب وميزانية تقشفية، يبدو أنها تخلو من أي درجات وظيفية خلال العام الحالي، وذلك ما يجعل أزمة عدم توظيف الخريجين الجامعيين، خاصة أصحاب شهادات الماجستير والدكتوراه، مستمرة ومفتوحة على المستقبل المجهول!

 لا تكفي الحلول الأمنية في انهاء الاحتجاجات الشبابية، وقد جربت الحكومات السابقة القسوة في محاولات خائبة لتفرقة حشود الخريجين، لكن جذوة الاحتجاجات تزايدت، وقد بلغت ذروتها في أواخر عام 2019، ولا تزال نيرانها مخبأة تحت الرماد. حلول مشكلة الخريجين لا ينبغي أن تجرى في الشارع الملتهب من خلال خراطيم الماء الحار وقنابل الدخان، فهي قضية تخطيط للحاضر والمستقبل يفترض أن تعالج عن طريق استخدام العلوم الإدارية والأرقام والاحصائيات والمعادلات الرياضية، وعبر التعاون والتنسيق بين وزارات ودوائر معنية متعددة، في مقدمتها وزارات التربية والتعليم العالي والتخطيط والمالية، فضلاً عن مراكز البحوث والدراسات المستقبلية. يمكن أن يوصف العراق بأنه بلد الشهادات والكفاءات والعقول العلمية، لكن المشكلة ليست في زيادة عدد الشهادات وأنواعها وتخصصاتها فحسب، بل في كيفية إدارتها وتوظيفها في خدمة التنمية البشرية والاقتصادية، وقد انعكست على الواقع العلمي والتعليمي والإداري تراكمات العقود الماضية، وما شهدته من سياسات خاطئة تمثلت في الحروب والحصار وسوء الادارة وغياب التخطيط وطغيان المحاصصة والمحسوبية والفساد، ونتيجة ذلك كله ضيّع العراق قدراته البشرية العلمية والمهنية وخسر فرصته التاريخية في النهوض الحضاري

الشامل!

 الاحصائيات تشير إلى أن الجهاز الإداري الحكومي يعاني من تضخم في عدد الموظفين يرهق الميزانية المالية، في حين تفتح سنوياً عشرات الكليات والأقسام العلمية الحكومية والأهلية، وتضخ الجامعات بآلاف الخريجين نحو سوق العمل المزدحمة، كما يجري توسيع مستمر في خطط الدراسات العليا، من دون مراعاة التناسب بين عدد الشهادات والتخصصات من جهة، والحاجة الفعلية في دوائر الدولة والقطاع الخاص لتلك الشهادات من جهة أخرى، التي أصبحت تتزايد من داخل العراق وخارجه، ويشوبها في كثير من الحالات التزوير والتلفيق، مثل شيكات من دون رصيد، لا تسمح لصاحبها بالحصول على وظيفة أو منصب أو عمل، ثم يجد الشاب نفسه أخيراً في الشارع متظاهراً غاضباً محبطاً بلا أمل في المستقبل.